العبادي يكتب: ثقافة المسؤولية... أساس الدولة الحديثة
بقلم: د. فوزان العبادي- الأمين العام لحزب التغيير
لا تبنى الدول بقوة مؤسساتها فقط وإنما أيضا بثقافة مجتمعاتها. فمهما بلغت جودة القوانين، ومهما تطورت التشريعات، فإنها ستظل عاجزة عن تحقيق أهدافها إذا بقيت الثقافة العامة تنظر إلى المسؤول باعتباره شخصا يجب الدفاع عنه، لا موظفا عاما يجب تقييمه ومساءلته. في الأردن، نعتز بعشائرنا وعائلاتنا ومناطقنا، فهي جزء أصيل من هويتنا الوطنية، وأسهمت في بناء الدولة والدفاع عنها في مختلف المراحل. لكن هذا الاعتزاز لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإعفاء أي مسؤول من النقد أو المساءلة، ولا أن يصبح الانتماء الاجتماعي بديلا عن معايير الكفاءة والنزاهة والإنجاز المسؤول لا يمثل عشيرته عندما يتولى منصبه، ولا يتحدث باسم منطقته، ولا يدافع عن مصالح دائرته الضيقة، بل يحمل مسؤولية وطن بأكمله. ولذلك فإن نجاحه أو إخفاقه يجب أن يقاس بما يقدمه للوطن، لا بعدد من يهبون للدفاع عنه عند أول انتقاد. ومن المؤسف أن يتحول أي نقاش حول أداء مسؤول إلى حالة من الاستقطاب فيغيب الحديث عن النتائج، وتتراجع لغة الأرقام، لتحل محلها لغة الاصطفاف. عندها لا يعود السؤال: ماذا قدم هذا المسؤول؟ بل يصبح: من أي منطقة هو؟ ومن يقف خلفه؟ وهذه ليست معايير تبني دولة، بل معايير تؤخرها.وفي المقابل، فإن الدولة مطالبة بأن تجعل الكفاءة المعيار الأول في اختيار المسؤولين. فلا يكفي أن نتحدث عن الإصلاح، بينما تبقى الاعتبارات غير المهنية حاضرة في بعض مواقع القرار. إن العدالة تبدأ عندما يشعر كل أردني بأن الطريق إلى المسؤولية العامة يمر عبر الكفاءة والخبرة والنزاهة، لا عبر أي اعتبارات أخرى.كما أن العدالة تكتمل عندما تكون المحاسبة واحدة على الجميع. فلا حصانة لمسؤول بسبب موقعه، ولا امتياز بسبب اسمه، ولا حماية بسبب نفوذه. فالدولة التي تطبق القانون على الجميع تكسب احترام مواطنيها، بينما تفقده عندما يشعر الناس أن ميزان العدالة يختلف من شخص إلى آخر. إن مشروع التحديث السياسي ليس مجرد قوانين جديدة أو تعديلات تشريعية، بل هو مشروع لتغيير طريقة التفكير. فالتحديث الحقيقي يبدأ عندما نؤمن بأن المنصب العام تكليف لا تشريف، وأن بقاء المسؤول مرتبط بقدرته على الإنجاز، لا بقدرته على حشد المؤيدين أو استدعاء الولاءات.
وهنا يأتي الدور الحقيقي للشباب فهم ليسوا مطالبين فقط بالمشاركة في الحياة السياسية بل بقيادة تحول ثقافي يعيد الاعتبار لقيم الجدارة، ويحمي فكرة الدولة، ويؤسس لمرحلة يصبح فيها الدفاع عن القانون أسمى من الدفاع عن الأشخاص، والانحياز للمصلحة العامة أقوى من أي انتماء ضيق. إن الدولة الحديثة لا تخشى المساءلة، بل تعتبرها مصدر قوة. والمسؤول الواثق من نفسه لا يقلقه النقد، بل يراه فرصة للتصحيح والتطوير. أما المجتمع الذي يخلط بين احترام المسؤول وتقديسه، فإنه يضعف مؤسساته من حيث لا يدري. لقد آن الأوان لأن ننتقل من ثقافة حماية المسؤول إلى ثقافة حماية المسؤولية، ومن الولاء للأشخاص إلى الولاء للدولة، ومن الدفاع عن المواقع إلى الدفاع عن المبادئ. فهذه ليست دعوة ضد أحد، وإنما دعوة من أجل الأردن؛ الأردن الذي يستحق أن تكون الكفاءة فيه طريقا إلى المنصب، والإنجاز سببا للاستمرار، والمساءلة قاعدة لا استثناء. فبمثل هذه الثقافة وحدها تترسخ دولة المؤسسات، ويترسخ معها إيمان المواطن بأن العدالة ليست شعارا، بل ممارسة يومية يراها في كل قرار وكل مسؤول.






