السعودي يكتب : الأردن بين إنجاز محو الأمية وتحديات بناء إنسان المستقبل
الدكتور فايز السعودي
لا شك أن إعلان انخفاض معدل الأمية في الأردن إلى (4.5%) عام 2025، وارتفاع نسبة الحاصلين على الثانوية العامة فأعلى إلى (43.8%)، يمثلان مؤشرين وطنيين يدعوان إلى الاعتزاز؛ فهما نتاج مسيرة تعليمية طويلة قادتها الدولة الأردنية منذ تأسيسها، انطلاقًا من إيمانها بأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر استدامة والأعلى عائدًا. إلا أن القراءة الاستراتيجية لهذه الأرقام تقتضي عدم الاكتفاء بالاحتفاء بها، بل استثمارها بوصفها نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة من إصلاح التعليم، تتجاوز مفهوم محو الأمية التقليدية إلى بناء إنسان المستقبل القادر على المنافسة في اقتصاد المعرفة والعصر الرقمي.
لقد نجح الأردن، إلى حد كبير، في كسب معركة الأمية الأبجدية، لكنه اليوم يواجه معركة أكثر تعقيدًا تتمثل في الأمية الوظيفية، والأمية الرقمية، وأمية الذكاء الاصطناعي، وفقر التعلم. فالعالم لم يعد يقيس تقدم الدول بعدد المدارس أو الجامعات أو الشهادات، وإنما بقدرة خريجيها على التفكير النقدي، والإبداع، والابتكار، وإنتاج المعرفة، والتعامل مع التقنيات الحديثة، والتكيف مع سوق عمل سريع التغير.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: كم عدد المتعلمين؟ بل أصبح: ماذا يتعلمون؟ وكيف يتعلمون؟ ولماذا يتعلمون؟ وهل يمتلكون المهارات التي يحتاجها المستقبل؟
لقد أسهمت سياسات الدولة في التوسع بالتعليم الإلزامي، وتحسين فرص الالتحاق بالمدارس والجامعات، ودعم تعليم المرأة، وتنفيذ برامج محو الأمية، والاستثمار في تدريب المعلمين، إضافة إلى التوسع في التعليم الإلكتروني بعد جائحة كورونا، في تحقيق هذا الإنجاز. غير أن المرحلة المقبلة تتطلب انتقالًا نوعيًا من التعليم من أجل الشهادة إلى التعليم من أجل الكفايات والمهارات والإنتاج والابتكار.
إن الثورة الصناعية الرابعة أحدثت تحولًا جذريًا في مفهوم التعليم، بعد أن أصبح الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والروبوتات، والحوسبة السحابية، والبيانات الضخمة، والأمن السيبراني، والطباعة ثلاثية الأبعاد، جزءًا من الحياة اليومية وسوق العمل. لذلك، فإن المدرسة لم تعد مطالبة فقط بتعليم القراءة والكتابة، وإنما بإعداد متعلم قادر على التعلم مدى الحياة، وتحليل المعلومات، واتخاذ القرار، والعمل الجماعي، والتواصل بلغات متعددة، والتعامل بكفاءة مع التكنولوجيا.
وفي هذا السياق، فإن ارتفاع نسبة الحاصلين على الثانوية العامة لا يعني بالضرورة ارتفاع جودة التعليم، إذا بقيت الفجوة قائمة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل. فالمشكلة لم تعد في أعداد الخريجين، بل في نوعية المهارات التي يمتلكونها، وفي قدرتهم على الابتكار وريادة الأعمال وخلق فرص العمل، بدلاً من انتظار الوظيفة التقليدية.
إن مؤسسات التعليم مطالبة اليوم بإعادة بناء المناهج على أساس المهارات، لا على أساس الحفظ والتلقين، وإعادة تعريف دور المعلم ليصبح ميسرًا للتعلم، ومرشدًا، وصانعًا للتفكير، لا مجرد ناقل للمعلومات. كما أن تطوير برامج إعداد المعلمين أصبح ضرورة وطنية، لأن أي إصلاح تعليمي يبدأ من المعلم، وينتهي عنده.
ولا يمكن الحديث عن مستقبل التعليم بمعزل عن أهداف التنمية المستدامة 2030، وفي مقدمتها الهدف الرابع: التعليم الجيد، الذي يدعو إلى ضمان تعليم شامل ومنصف وعالي الجودة، وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع. كما يرتبط التعليم ارتباطًا وثيقًا بالهدف الثامن المتعلق بالعمل اللائق والنمو الاقتصادي، والهدف التاسع المتعلق بالابتكار والصناعة، والهدف العاشر المتعلق بالحد من أوجه عدم المساواة. فالتعليم لم يعد قطاعًا خدميًا، بل أصبح المحرك الرئيس للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.
ومن هذا المنطلق، فإن المرحلة القادمة تستوجب تبني رؤية وطنية جديدة للتعليم تقوم على مجموعة من الأولويات، أهمها:
- تحديث المناهج وربطها بمهارات المستقبل.
- إدماج تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في جميع المراحل التعليمية.
- تطوير التعليم المهني والتقني وربطه مباشرة باحتياجات الاقتصاد الوطني.
- بناء نظام وطني لقياس نواتج التعلم والكفايات، وليس الاكتفاء بنتائج الامتحانات.
- الاستثمار في التنمية المهنية المستدامة للمعلمين.
- تعزيز ثقافة البحث العلمي والابتكار وريادة الأعمال.
- توسيع برامج التعلم مدى الحياة، حتى لا يتحول التقدم التكنولوجي إلى سبب في ظهور أشكال جديدة من الأمية.
إن الأردن يمتلك رصيدًا كبيرًا من الكفاءات البشرية والخبرات التربوية، لكنه يحتاج اليوم إلى ثورة بيضاء في التعليم، تنتقل به من مرحلة التوسع الكمي إلى مرحلة التميز النوعي، ومن تعليم المعرفة إلى صناعة المعرفة، ومن استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاجها، ومن تخريج الباحثين عن الوظيفة إلى إعداد صانعي الفرص ورواد الأعمال.
وفي الختام، فإن انخفاض معدل الأمية إلى (4.5%) ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة أكثر مسؤولية. فالدول التي ستقود العالم في العقود القادمة ليست تلك التي تمتلك أكبر عدد من الخريجين، وإنما تلك التي تمتلك أفضل العقول، وأكثرها قدرة على الابتكار والتكيف مع المتغيرات المتسارعة. والتعليم الأردني يمتلك المقومات التي تؤهله لذلك، إذا أحسنّا قراءة الحاضر، واستشراف المستقبل، واتخذنا القرار الجريء بالاستثمار في الإنسان، لأنه سيبقى الثروة الوطنية التي لا تنضب، والأساس الحقيقي للتنمية المستدامة والنهضة الشاملة.






