اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

السبايلة يكتب: واشنطن وإعادة تعريف المواجهة مع إيران

{title}
أخبار الأردن -

د.عامر سبايلة

تكشف عودة الإدارة الأميركية إلى اعتماد إستراتيجية "المفاوضات تحت النار" أن واشنطن بدأت تنظر إلى المفاوضات مع إيران من زاوية مختلفة. فالضربات العسكرية التي جاءت رداً على استهداف ناقلات الغاز في مضيق هرمز لم تكن مجرد رد فعل تكتيكي، بل ترافقت مع خطاب سياسي أكثر تشدداً من الرئيس دونالد ترامب، الذي كرر حديثه عن محاولات إيرانية لاغتياله، في إشارة تعكس تحولاً في نظرته إلى طبيعة المواجهة مع طهران.
هذا التحول يوحي بأن الولايات المتحدة لم تعد ترى الأزمة في السلوك الإيراني وحده، بل في بنية القرار السياسي الذي يقف خلفه. لذلك لم يعد الخيار العسكري مجرد وسيلة للردع، بل أصبح أداة للضغط على مراكز القوة التي تعطل الوصول إلى تسوية بشروط جديدة، وهو ما يفسر التدرج في استخدام القوة بالتوازي مع الإبقاء على باب التفاوض مفتوحاً.
في المقابل، تبدو إستراتيجية إطالة أمد المفاوضات انعكاساً مباشراً للأزمة الداخلية الإيرانية. فالتيار الذي لا يزال يمسك بمفاصل السلطة يجد نفسه أمام معادلة معقدة؛ إذ إن أي تنازل جوهري في المفاوضات يهدد شرعيته السياسية التي تأسست لعقود على فكرة المواجهة مع الولايات المتحدة. وقد ازدادت هذه الأزمة وضوحاً بعد اغتيال المرشد علي خامنئي، وما رافق جنازته من تساؤلات حول غياب الرد الإيراني، وحول قدرة القيادة الجديدة على الحفاظ على صورة النظام وهيبته داخلياً وخارجياً.
ومن هنا، يصبح التصعيد بالنسبة لهذا التيار وسيلة للحفاظ على شرعيته أكثر من كونه خياراً عسكرياً. لكنه في الوقت نفسه يدرك أن استمرار المواجهة يضعه أمام كلفة متصاعدة، سواء على المستوى الداخلي أو في علاقاته الإقليمية، وهو ما يجعل إطالة أمد التفاوض بالنسبة إليه محاولة لكسب الوقت أكثر منها سعياً للوصول إلى اتفاق نهائي.
لكن التصعيد الإيراني بقي ضمن حدود محسوبة، سواء عبر استهداف الملاحة أو محاولة توسيع دائرة الاشتباك لتشمل دول الخليج والأردن، وهي خطوات تعاملت معها واشنطن باعتبارها تجاوزاً يستوجب رداً يرفع كلفة القرار الإيراني.
فالضربات الأميركية لا تستهدف فقط ردع إيران، بل تهدف أيضاً إلى تقويض قدرتها على تهديد الملاحة الدولية عبر استهداف الموانئ، ومراكز الإسناد، والبنية اللوجستية والعسكرية المرتبطة بعملياتها في الخليج ومضيق هرمز. كما تحمل رسالة واضحة بأن أي محاولة لفرض معادلة ردع جديدة ضد دول الخليج أو الأردن ستواجه برد أكثر اتساعاً، بما يمنع إيران من تحويل أمن هذه الدول إلى ورقة تفاوضية أو وسيلة للضغط على المجتمع الدولي.
ورغم أن مهلة الستين يوماً للمفاوضات لا تزال قائمة، فإنها تبدو اليوم أقرب إلى فترة اختبار منها إلى مسار تفاوضي تقليدي. فكل يوم يمر يزيد احتمالات التصعيد العسكري، ويؤكد أن الخيار العسكري لم يعد مجرد ورقة ضغط، بل أصبح جزءاً من إدارة عملية التفاوض نفسها، بحيث يجري تعديل ميزان القوى بالتوازي مع استمرار الاتصالات السياسية.
وهنا تكمن نقطة التحول الأساسية. فالمفاوضات لم تعد تقتصر على البرنامج النووي أو العقوبات أو أمن الملاحة، بل باتت تدور حول مستقبل بنية القرار الإيراني نفسها. ولذلك فإن الضغط العسكري والسياسي يسعى إلى دفع النظام نحو إعادة توزيع مراكز القوة داخله، بما يتيح إنتاج قيادة أكثر قدرة على اتخاذ قرارات إستراتيجية تتعلق بعلاقة إيران مع الولايات المتحدة، وبموقعها في النظام الإقليمي المقبل.
وعليه، فإن الضغوط العسكرية المتدرجة لا تبدو منفصلة عن العملية السياسية، بل تشكل إحدى أدواتها الأساسية. فالمعركة لم تعد تدور فقط حول البرنامج النووي أو أمن الملاحة، وإنما حول إعادة تشكيل موازين القوة داخل إيران نفسها، بما يسمح بظهور نظام قرار أكثر استعداداً للتكيف مع الإقليم الجديد الذي تعمل الولايات المتحدة على إعادة رسمه بعد هذه الحرب. ولهذا، قد يكون السؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كانت المفاوضات ستنجح أو ستفشل، بل أي إيران ستخرج من هذه المفاوضات إذا استمرت الضغوط العسكرية والسياسية بالوتيرة نفسها.


 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية