نادية سعدالدين تكتب: "الضم" التوراتي عند "نتنياهو"
نادية سعدالدين
يُسابق «نتنياهو»، مع القوى المتطرفة داخل حكومته، الزمن لتنفيذ مشروع «ضم» الضفة الغربية للكيان المُحتل، سعياً منه لفرض واقع أمني وجغرافي مُغاير وتثبيته لاحقاً، واسترضاء قاعدته الاستيطانية الانتخابية، وتحقيق إنجاز ما يُحسن صورته المعطوبة ويُعزز فرص فوزه بانتخابات «الكنيست» المقبلة وما بعدها، في ظل تغير الخريطة الحزبية الصهيونية أمام تصاعد أحزاب المعارضة وبزوغ أخرى حديثة.
هذه العقلية الاستعمارية تنطوي عند الساسة الصهاينة على مزاعم توراتية لتبرير مشروعهم الصهيوني التوسعي في فلسطين المحتلة والمنطقة. إذ يدعي أنصار «الضم» الكامل امتثالهم لتعاليم الشريعة اليهودية «الهالاخاة» التي تزعم بأن «يهودا والسامرة» (الضفة الغربية) جزء من «أرض إسرائيل التاريخية» وتحريرها يمثل تطبيقاً للوصايا اليهودية التي ترفض تسليمها «للحكم الأجنبي»، أي «الآخر» الفلسطيني العربي بالنسبة إليهم. ويطغى ذلك المعتقد على أصوات الداعين «لمبادلة» الأرض أو جزء منها مقابل السلام، وهم قلة، بحجة أن الوجود والحياة اليهودية يعدان القيمة العليا، ولو تعرضا للخطر نتيجة الاحتفاظ بالأراضي التي تحررت حتى لو كانت يهودية فيجب عندها المبادلة، وفق مزاعمهم.
وفي ظل سطوة التيار اليميني المتشدد داخل الكيان المُحتل، فإن الرأي «المسيحاني» داخل «الصهيونية الدينية» لم يصمد طويلاً حينما ادعى أن «الدولة» علمانية بما يجعل سيادتها على الأراضي الفلسطينية مسألة سياسية وليست دينية، بينما يتم تنفيذ «الوعد الإلهي» في «أرض الميعاد» من خلال اتباع الوصايا الدينية، مُستحضراً نتائج عدوان 1967 التي كانت بحسبه سياسية عسكرية وليست مقدمة «للخلاص المسيحاني». ولم يكن هذا الموقف «الحمائمي» دعوة للتخلي عن الأراضي المحتلة، بقدر ما كان بمثابة تعرية لموقف الذين أضفوا شرعية دينية على العمل العسكري، حيث ما لبث أن تبدل لجهة التأكيد على الحقوق التاريخية اليهودية المزعومة في «أرض إسرائيل» داخل حدودها الآمنة، والدعوة إلى التوسع الاستيطاني فيها، بخاصة في القدس المحتلة.
وتجد أسطورة «الضم» مكانها المُريح بين صفوف الكتلة الشبابية ذات الأفكار الأيديولوجية اليمينية المتطرفة وصاحبة النفوذ المتعاظم داخل تيار «الصهيونية الدينية»، والتي باتت أصواتها تُسمع بكثرة في الفترة الأخيرة عبر مقولات مُتشددة تجاه قضايا الصراع العربي – الصهيوني والعملية السلمية، مقاربين فكرياً وسياسياً أفكار الليكود وحركة «جوش ايمونيم» الاستيطانية، بمعارضة أي تحرك يتضمن تنازلاً عن أي جزء من «أرض إسرائيل التاريخية» المزعومة.
واللافت هنا استحضار هذا الجيل اليهودي الشبابي المُتدين لأبرز الأساطير المُؤسسة للمشروع الاستعماري الإحلالي الاستيطاني في فلسطين المحتلة، التي أعلنها «ثيودور هرتزل» منذ المؤتمر الصهيوني الأول في بازل 1897 وما تزال معالم في طريق التوسع الصهيوني، وذلك عند الدعوة لتكثيف الاستيطان في «صهيون» باعتباره من «المتزفوت» أي «واجب ديني مقدس فرضه الإله على اليهود»، من أجل «استعادة» كل «أرض الميعاد» بزعم أنها المكان الذي اختاره الرب واصطفاه «لشعبه المختار»، بعد إحاطتها بهالة من نصوص التوراة والتلمود لتبرير سياسة الاحتلال والضم والتوسع للأرض، على حساب حقوق أصحابها الفلسطينيين الأصليين.
فرغم أن مناقشة الساسة الصهاينة «للمسألة اليهودية» تمت في إطار نظرية النفعية، أي في الإطار العلماني العقلاني المادي من منطلق مدى نفعهم للمجتمعات التي يوجدون فيها، إلا أنها استبدلت فيما بعد بفكرة العقيدة الاسترجاعية التي ترهن الخلاص بعودة اليهود إلى فلسطين، والتي ارتبطت بمفهوم «الاستعادة» الذي تؤكد عليه النصوص التوراتية، فبما أن الأرض الفلسطينية كانت «يهودية» أصلاً ثم اُغتصبت منهم، فإن عملية استيطانها تشكل استعادة لأرض كانت ملكاً لليهود. وقد استندت الصهيونية إلى هذا الزعم لاستكمال دعاوى علاقة اليهود القديمة تاريخياً بفلسطين، ولتحقيق الهدف الإستراتيجي الصهيوني في توسيع رقعة الأراضي الفلسطينية المُحتلة بالاستيلاء على ما يُطلق عليه بأمـلاك الغائبين أو المصادرة بزعم أهمية الأرض لأغراض الدفاع والأمـن.
ومن هنا، لم يكن صعباً على التيار اليميني الديني المتشدد الدفع مؤخراً بزيادة وتيرة الاستيطان في الضفة الغربية بشكل غير مسبوق عقب إكسابه الشرعية الدينية بزعمه «الدعامة الرئيسة لامتلاك الأرض المقدسة وضمها وفق نبوءة الأنبياء»، طالما هناك فئة شبابية يهودية وفية للأساطير الصهيونية ولديها الاستعداد التام للدفاع عنها وتنفيذها بالعنف والعدوان والقوة المسلحة المجبولة بها ضد الشعب الفلسطيني.







