اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

القهيوي يكتب: حين يشيخ العقل المؤسسي

{title}
أخبار الأردن -

ليث القهيوي

ليست أخطر الأزمات تلك التي تفرضها الظروف، بل تلك التي تصنعها طريقة التفكير. فالدول لا تبدأ بالتراجع عندما تتباطأ اقتصاداتها، أو تواجه ضغوطًا سياسية وأمنية، وإنما عندما تفقد مؤسساتها قدرتها على مراجعة نفسها والتعلم من تجاربها.
فالمؤسسات، مثل البشر، قد تبدو قوية من الخارج، بينما تكون في الداخل قد فقدت قدرتها على التجدد. وحين يشيخ العقل المؤسسي، تصبح المؤسسة قادرة على إدارة الحاضر، لكنها تفقد قدرتها على صناعة المستقبل.
في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، لم تعد قوة الدول تقاس فقط بحجم اقتصادها أو مواردها، بل بقدرتها على التعلم، وجودة قراراتها، ومرونتها في التعامل مع المتغيرات. فالثورة الصناعية الرابعة، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والتحولات الجيوسياسية، لم تغير أدوات العمل فقط، بل أعادت تعريف مفهوم الدولة القادرة على المنافسة.
ولهذا لم يعد السؤال الأهم: كيف نعالج الأزمات؟ بل أصبح: هل ما زلنا نفكر بالطريقة نفسها التي أنتجت هذه الأزمات؟
إن أخطر مظاهر شيخوخة العقل المؤسسي ليست ضعف الإمكانات، وإنما الاكتفاء بما تحقق. فالمؤسسة التي تتوقف عن طرح الأسئلة الصعبة، وتعيد إنتاج الحلول القديمة، وتتعامل مع المتغيرات باعتبارها أحداثًا مؤقتة لا تحولات عميقة، تبدأ تدريجيًا بفقدان قدرتها على التطور.
فالشيخوخة المؤسسية لا تعني توقف العمل، بل تعني استمرار العمل بالطريقة نفسها رغم تغير العالم. تستمر الاجتماعات، وتُرفع التقارير، وتُنفذ الإجراءات، لكن التركيز ينتقل من تحقيق النتائج إلى المحافظة على الإجراءات، ومن الابتكار إلى تجنب المخاطر، ومن صناعة الحلول إلى إدارة الواقع.
وعند هذه المرحلة تصبح اللوائح غاية بدل أن تكون وسيلة، ويصبح الالتزام بالنمط التقليدي أهم من تحقيق الأثر الحقيقي، فتتسع الفجوة بين المؤسسة واحتياجات المجتمع، ويصبح الإصلاح لاحقًا أكثر كلفة من التغيير المبكر.
إن المشكلة في كثير من الأحيان لا تكمن في غياب الكفاءات، بل في البيئة المؤسسية التي تعمل فيها تلك الكفاءات. فالعقول المبدعة لا تزدهر في مؤسسات تعتبر الاختلاف تهديدًا، أو النقد انتقاصًا، أو مراجعة القرار اعترافًا بالفشل.
فالثقافة المؤسسية هي التي تحدد طريقة صناعة القرار، وكيفية استخدام البيانات، وإدارة المخاطر، وتحويل المعرفة إلى سياسات ونتائج.
ولهذا فإن إصلاح المؤسسات لا يبدأ فقط بإعادة الهيكلة أو إصدار تعليمات جديدة، بل يبدأ بإعادة بناء الثقافة التي تنتج القرار. فالمؤسسة التي تكافئ المبادرة، وتشجع الحوار، وتستند إلى الأدلة، وتتعلم من التجربة، ستكون أكثر قدرة على التكيف من مؤسسة تمتلك موارد أكبر لكنها تديرها بعقلية الماضي.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن المؤسسات الناجحة ليست تلك التي لا تخطئ، بل تلك التي تتعلم بسرعة من أخطائها. فهي تنظر إلى السياسات باعتبارها فرضيات قابلة للمراجعة، وإلى القرارات باعتبارها مسارًا مستمرًا للتطوير، وليس نقطة نهاية بمجرد صدورها.
وفي المقابل، فإن المؤسسات التي تربط الهيبة بعدم الاعتراف بالخطأ، تؤجل التصحيح حتى تصبح كلفته أعلى. فكم من فرصة ضاعت بسبب تأخر القرار، وكم من أزمة تضخمت لأن المؤشرات المبكرة لم تُقرأ بجدية، وكم من مشروع تعثر لأن تقييم الأداء ركز على النشاط بدل قياس الأثر.
"وفي الحالة الأردنية، تكتسب هذه القضية أهمية خاصة في ظل مسارات التحديث الاقتصادي والسياسي وتحديث القطاع العام، إذ إن نجاح هذه المسارات لا يعتمد فقط على جودة الرؤى والخطط، وإنما على قدرة المؤسسات على إعادة بناء طريقة التفكير والعمل."
فالفجوة بين الرؤية والتنفيذ ليست غالبًا فجوة في النصوص، وإنما فجوة في الثقافة المؤسسية التي تحكم الممارسة اليومية.
ومن هنا يصبح الإصلاح الحقيقي عملية ذهنية قبل أن يكون مشروعًا إداريًا. فالمؤسسة التي تتعلم باستمرار، وتقيس أثر قراراتها، وتراجع افتراضاتها، وتستشرف المستقبل، ستكون أكثر قدرة على تحويل الخطط إلى نتائج ملموسة.
إن بناء المستقبل لا يبدأ من الأنظمة أو الهياكل فقط، بل يبدأ من بناء عقل مؤسسي قادر على التعلم والتكيف.
فالتكنولوجيا، مهما بلغت قدراتها، لا تستطيع أن تصنع قرارًا رشيدًا إذا بقيت الثقافة المؤسسية أسيرة الخوف من المبادرة، أو مقاومة التغيير، أو الاعتماد على الخبرة السابقة دون تطويرها.
فالتحول الرقمي الحقيقي لا يبدأ من المنصات، بل من تغيير طريقة التفكير التي تستخدم تلك المنصات.
كما أن مستقبل المؤسسات والدول سيعتمد بصورة متزايدة على قدرتها في استثمار رأس المال البشري، خصوصًا الأجيال الجديدة، ليس باعتبارهم مجرد قوة عمل، بل باعتبارهم مصدرًا للابتكار، والمرونة، والأفكار الجديدة.
فالمؤسسة التي تجمع بين خبرة الماضي وطاقة المستقبل هي المؤسسة القادرة على الاستمرار.
وينطبق الأمر ذاته على المجال السياسي والمؤسسي؛ فالحيوية لا تقاس بعدد الهياكل أو الاجتماعات، وإنما بقدرة المؤسسات على إنتاج الأفكار، والسياسات، والقيادات القادرة على التعامل مع تحديات المستقبل.
وفي عالم تتغير فيه موازين القوة بسرعة، لم يعد الاستشراف خيارًا فكريًا، بل أصبح ضرورة استراتيجية. فالمستقبل لا يمكن التنبؤ به بدقة، لكنه يمكن الاستعداد له من خلال تحليل الاتجاهات، وبناء السيناريوهات، ورصد المخاطر، وتطوير البدائل.
فالدول التي تمتلك عقلًا مؤسسيًا شابًا لا تنتظر المستقبل، بل تستعد له قبل وصوله.
كما أصبحت جودة القرار عنصرًا أساسيًا في قوة الدول. فالقرار المبني على البيانات والتحليل والنقاش المهني يحمي الدولة أكثر من القرارات التي تُتخذ تحت ضغط اللحظة أو بناء على الانطباعات.
ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتغيير الأشخاص فقط، بل بتغيير البيئة التي يصنعون فيها قراراتهم. فالمؤسسات القوية لا تعتمد على وجود قائد استثنائي، بل تبني أنظمة تجعل الأداء المتميز قابلًا للاستمرار مهما تغيرت القيادات.
ومن هنا، فإن بناء عقل مؤسسي شاب يتطلب خمسة تحولات رئيسية:
أولًا: الانتقال من إدارة الإجراءات إلى إدارة النتائج.
بحيث يصبح معيار النجاح هو الأثر المتحقق، وليس حجم النشاط المنفذ.
ثانيًا: بناء أنظمة قرار تعتمد على البيانات والمعرفة.
لأن القرار المستقبلي لا يمكن أن يعتمد على الانطباعات، بل على الأدلة والتحليل.
ثالثًا: إنشاء قدرات مؤسسية للاستشراف وإدارة المستقبل.
من خلال قراءة الاتجاهات وبناء السيناريوهات والاستعداد للتحولات القادمة.
رابعًا: إعادة تعريف القيادة المؤسسية.
بحيث ترتبط الترقية القيادية بالقدرة على التغيير وصناعة القيمة، وليس فقط بالأقدمية والخبرة.
خامسًا: تحويل المؤسسات إلى منظمات متعلمة.
تحتفظ بالمعرفة، وتتعلم من التجارب، وتحول الخبرة الفردية إلى ذاكرة مؤسسية مستدامة.
إن الأردن يمتلك اليوم فرصة مهمة لترسيخ هذا التحول، فالرؤى الإصلاحية تحتاج إلى مؤسسات تمتلك القدرة على التنفيذ والتعلم المستمر. فالإصلاح ليس وثيقة تُعتمد، بل ثقافة مؤسسية تتراكم حتى تصبح جزءًا من هوية الدولة.
وفي النهاية، لا تشيخ الدول لأن الزمن مر عليها، بل لأنها تسمح لأفكارها أن تشيخ. ولا تتراجع لأنها فقدت مواردها، بل لأنها فقدت القدرة على مراجعة نفسها.
فالعقل المؤسسي الذي يتوقف عن التعلم، يتوقف عن القيادة، حتى وإن استمر في الإدارة.
إن مستقبل الدول لا تحدده سرعة تغير العالم، بل سرعة تجدد عقول مؤسساتها.
فالدول لا تخسر المستقبل لأنها لا تملك الإمكانات، بل لأنها تستخدم إمكانات القرن الحادي والعشرين بعقلية القرن الماضي.


 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية