يعقوب ناصر الدين يكتب: مؤشرات وحسابات
يعقوب ناصر الدين
كل المؤشرات والعلامات المتعلقة بالصراع في المنطقة تدل على تصاعد التوتر والانتقال من حالة الهدن المؤقتة إلى المواجهة المسلحة على نحو أكثر خطورة مما كان عليه الحال مع بداية المواجهة العسكرية بين إيران وأميركا وإسرائيل، ويبدو أن عودة الحرب ستكون أكثر ضراوة مما عهدناه، طبقا للتهديدات المتصاعدة التي يدلي بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي أعلن بصراحة ووضوح نهاية مذكرة التفاهم مع إيران، وحتى على افتراض تحرك الوسطاء من جديد فإن حالة عدم اللايقين ستمتد إلى فترات طويلة.
الحسابات كذلك تتغير تبعا لتغير الأوضاع، وخاصة في منطقة التماس المتقدمة (مضيق هرمز)، حيث المؤشرات ذات دلالات اقتصادية وسياسية وعسكرية، وفيها ومنها يبدأ الفعل ورد الفعل، تماما مثلما ضربت القوات الأميركية عدة مواقع عسكرية ونفطية إيرانية على إثر استهداف إيران لناقلات سعودية وقطرية، وقد أخذ الأمر في البداية على أن الأمر يقع في إطار المناوشات محدودة الأجل والأثر، ولكن المسألة ذهبت إلى أبعد من ذلك لترفع حدة التهديدات بحرب مدمّرة على إيران.
بالعودة إلى المؤشرات فإن الرد الإيراني الذي استهدف بلدنا الأردن وعددا من دول الخليج العربي يدل على أن الإستراتيجية الإيرانية لم تتغير، بمعنى أنها لم تراجع حساباتها بشأن عدائها لجيرانها العرب بالرغم من المبادرات الإيجابية والمشاركة في الوساطات الهادفة إلى خفض التصعيد، والوصول إلى حلول سليمة تراعي المصالح الإقليمية والدولية، وتفتح آفاقا لإعادة صياغة العلاقات العربية الإيرانية على أسس جديدة.
المؤشرات بالنسبة لنا، والحسابات الخاصة بنا، في هذه اللحظة الحاسمة من الصراع الذي نابنا منه أذى كثير، تفرض علينا قدرا من الاستعداد المناسب للتعامل مع كل الاحتمالات، ونحن بالطبع نعرف أن بلدنا بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني يدرك التطورات والمآلات، وهو ثابت على موقفه، قوي في حجته وقدرته على صون أمنه واستقراره ومصالحه، وإلى جانب ذلك فإن حسم جميع القوى السياسية والحزبية والفكرية والإعلامية لموقفها من هذا الصراع أصبح اليوم حتمية وطنية لا جدال فيها، والقصد هنا هو إعلاء الصوت في وجه التبريرات والانحيازات والأوهام على حساب مصالح الأردن والتزاماته القومية والأخلاقية، وسلامة خياراته وأولوياته.
في الواقع لدينا ما يكفي من المؤشرات الدالة على مظاهر ملموسة من الاستهداف المباشر من جانب إيران وغيرها ممن لا يؤمن جانبهم من الطامعين والمتربصين بنا، ومع فهمنا العميق لطبيعة الوعي الوطني المتأصل في الأردنيين جميعا فإن الاستيعاب ليس هدفا في حد ذاته ولكنه منطلق لتشكيل مصد قوي لأي استهداف أيا كان مصدره.
مرة أخرى على الأحزاب أن تكون في طليعة الساعين إلى تفعيل حالة الوعي والحشد الذهني والفعل المؤثر في تثبيت قواعد القوة التي تعزز قدرتنا على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية على حد سواء، لتكون الحسابات دقيقة بالقدر الذي توحي به المؤشرات.






