المنسي يكتب: من يسرق ثقة الناس بالدولة؟
جهاد المنسي
لم يعد أخطر ما يواجه المجتمعات هو الخلاف في الرأي، بل تحول الشك إلى ثقافة عامة، والتشكيك إلى سلوك يومي يطال كل شيء؛ المؤسسات، والقرارات، والإنجازات، وحتى النوايا، وعندما تتسع دائرة انعدام الثقة، يصبح المجتمع أكثر هشاشة أمام الإشاعات، وأكثر قابلية للانقسام، وأقل قدرة على الالتفاف حول مصالحه الوطنية.
ما نشهده اليوم لا يقتصر على اختلاف في وجهات النظر، وهو أمر صحي في أي مجتمع حي، وإنما يمتد إلى حالة من التبعثر الاجتماعي، حيث بات البعض يتعامل مع كل حدث من منطلق الشك المسبق، ويبحث عن التفسيرات التي تعمق الانقسام بدلاً من الحقائق التي تعزز الوعي، وفي ظل الفضاء الإلكتروني المفتوح، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحة رحبة لتداول المعلومات المضللة، وبث الإشاعات، وإثارة النعرات الجهوية والمناطقية والإقليمية، بصورة تهدد النسيج الوطني إذا لم يتم التعامل معها بحزم وعدالة.
ولا يمكن استعادة الثقة إلا من خلال مشروع وطني حقيقي عنوانه سيادة القانون، فالدولة القوية ليست تلك التي ترفع الشعارات، وإنما التي تطبق القانون على الجميع دون استثناء، وتمنح المواطنين شعوراً راسخاً بأن العدالة لا تعرف اسماً ولا منصباً ولا نفوذاً، عندما يوقن المواطن أن الجميع يخضع للمحاسبة ذاتها، وأن الحقوق والواجبات متساوية، فإن الثقة تبدأ بالعودة تدريجياً إلى المجتمع ومؤسساته.
ولعل أكبر ما يضعف هذه الثقة هو الإحساس بوجود الواسطة والمحسوبية، أو الاعتقاد بأن بعض الأشخاص أو الجهات بمنأى عن المساءلة، فحتى وإن كانت هذه الممارسات محدودة، فإن أثرها في الرأي العام كبير، لأنها تخلق انطباعاً بأن تكافؤ الفرص ليس قاعدة ثابتة، لذلك فإن مكافحة الفساد بكل أشكاله، صغيره وكبيره، ومحاربة الواسطة والمحسوبية، ليست مجرد ملفات إدارية، بل هي معركة لاستعادة ثقة المواطن بالدولة.
اليوم نحن بحاجة إلى ما يمكن وصفه بـ»ثورة بيضاء»؛ ثورة لا تهدم المؤسسات، بل تعيد إليها هيبتها، ولا تستهدف الأشخاص، بل تستهدف السلوكيات الخاطئة، ثورة تقوم على النزاهة والشفافية والعدالة، وتجعل الكفاءة وحدها معيار التقدم، وتغلق الأبواب أمام كل أشكال التمييز الجهوي أو المناطقي أو الإقليمي، لأن الدولة الحديثة لا تبنى إلا بالمواطنة المتساوية.
في المقابل، فإن كل من يستغل المنصات الإلكترونية للتحريض على الكراهية، أو لإثارة الانقسامات بين أبناء الوطن، أو بث خطاب يسيء إلى الوحدة الوطنية، يجب أن يواجه وفق أحكام القانون، وبما يكفل حماية حرية التعبير المشروعة في الوقت نفسه، فحرية الرأي قيمة دستورية، لكنها لا تمنح أحداً حق التحريض أو نشر الكراهية أو المساس بالسلم المجتمعي.
كما أن المسؤولية لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل تمتد إلى الأحزاب، والنقابات، ومؤسسات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، والمؤثرين في الفضاء الرقمي، فالجميع مطالب برفض الخطاب الذي يعزز الانقسامات أو يبررها، وعدم منحه مساحة أو شرعية اجتماعية، فالمجتمعات لا تنهار فقط بسبب الأصوات المتطرفة، وإنما أيضاً عندما يصمت العقلاء أمامها، إذ إن تعزيز الثقة بالمؤسسات يحتاج لمزيد من الشفافية والإفصاح، وسرعة التواصل مع المواطنين، وتقديم المعلومة الدقيقة في وقتها، لأن الفراغ المعلوماتي هو البيئة المثالية لنمو الإشاعات، ولهذا فإن المرحلة المقبلة تتطلب إرادة سياسية وإدارية واضحة، تؤكد أن القانون فوق الجميع، وأن الفساد والواسطة والمحسوبية ليست مجرد شعارات للمواجهة، بل ملفات تخضع للمحاسبة الجادة، وأن كل مواطن متساوٍ أمام الدولة في الحقوق والواجبات.
فالثقة لا تُفرض بقرار، ولا تُبنى بالخطابات، وإنما تنشأ عندما يرى المواطن أن العدالة تُطبق على الجميع، وأن الكفاءة تُكافأ، وأن القانون يحمي الوطن من الفساد والانقسام معاً، عندها فقط تتحول سيادة القانون من نصوص مكتوبة إلى ثقافة مجتمعية، ومن شعار سياسي إلى أساس متين لدولة قوية، متماسكة، واثقة بنفسها وبمستقبلها.






