اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

العثامنة يكتب: المفاوضات الإيرانية - الإيرانية

{title}
أخبار الأردن -

مالك العثامنة

لم تعد المشكلة الإيرانية محصورة في صراعها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بل أصبحت في داخل الدولة نفسها، فإيران التي تفاوض الخارج اليوم لا تبدو دولة بقرار واحد، بل منظومة تتحدث بأكثر من صوت، وتوقع بيد، ثم تنقض ما وقعت عليه باليد الأخرى، وهناك نظام برأسين على الأقل.
الرئيس مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي يمثلان اتجاها يرى أن الخروج من حالة "لا حرب ولا سلام" بات ضرورة لحماية النظام والاقتصاد، وليس تنازلا عن مبادئ الثورة، لكن هذا الاتجاه يصطدم بحرس ثوري وقد توسع نفوذه بعد مقتل خامنئي الأب، وتحول من مؤسسة داخل النظام إلى مركز قرار يكاد يقف فوق مؤسسات الدولة نفسها.
المشهد ليس صراعا بسيطا وعاديا بين إصلاحيين ومحافظين، فحتى المعسكر المتشدد نفسه ليس كتلة واحدة، فهناك من يقبل التفاوض من دون تقديم تنازلات جوهرية، وهناك من يرفض التسوية من أساسها، وبين الطرفين يقف الحرس الثوري، لا باعتباره تيارا أيديولوجيا فقط، بل باعتباره شبكة مصالح عسكرية وسياسية واقتصادية تعيش على استمرار التوتر، ويتغذى وجودها كله على الأزمات.
من هنا يمكن القول إن الحرس الثوري قد انتصر كمؤسسة، لكن إيران "بمجملها" قد خسرت كدولة، فقد تفاوض الدبلوماسيون ووقعوا مذكرة تفاهم في 17 (يونيو)، ثم جاءت الهجمات على الملاحة في مضيق هرمز لتفجر الهدنة، وكأن المفاوض الإيراني لا يملك ضمان تنفيذ ما يتفق عليه، أو كأن الدولة الإيرانية نفسها لم تعد تعرف من يملك الكلمة الأخيرة فيها.
لقد أضاعت طهران "المتشظية بين عدة رؤوس" فرصتين: الأولى حين انتهت مهلة الستين يوما التي منحها ترامب من دون اتفاق، والثانية حين جرى تفجير مذكرة (يونيو) التي كانت تفتح باب وقف النار ورفع العقوبات وإعادة الإعمار، ولم تكن الفرصة مجرد صفقة دبلوماسية، بل كانت ممرا لإعادة تعريف إيران، من دولة محاصرة تقود محورا مستنزفا إلى قوة إقليمية معترف بها تتفاوض على مصالحها.
لكن تلك التهدئة "وأي تهدئة أخرى" على ما تظهر الحقائق، لا تناسب جميع مراكز القوة في طهران، فالنظام الراديكالي يحتاج عدوا خارجيا لتبرير قمع الداخل، والحرس الثوري يملك اقتصادا كاملا أرضه الخصبة للنمو والازدهار كان في العقوبات والحصار، وأي سلام حقيقي قد يقلص نفوذه ويفتح السوق أمام منافسين جدد، ولذلك لا يصبح السؤال لماذا فشلت المفاوضات، بل من الذي يستفيد من إفشالها؟
في الخلاصة فإن إيران لا تعاني نقص الفرص، بل من عجز القرار المركزي الموحد، فما كان خامنئي الأب يغطيه بتوازناته الثقيلة، ظهر بعد غيابه صراعا مؤسسيا مفتوحا، ولهذا فإن أي اتفاق مع طهران سيبقى هشا، ما دامت الدولة لا تعرف من يتحدث باسمها، ومن يوقع عنها، ومن يملك حق تفجير كل شيء.


 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية