اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

عوض يكتب: حين تكتب الحركات الاجتماعية ذاكرتها من الداخل.. كتاب "تطوير النقابات العربية"

{title}
أخبار الأردن -

 

أحمد عوض

تزداد أهمية المساهمات التحليلية التي تتناول التحولات والحراكات المجتمعية في المنطقة العربية، حين لا تكتفي بوصف الأحداث الكبرى من الخارج، بل تحاول النفاذ إلى بنيتها الاجتماعية العميقة. من هم الفاعلون؟ كيف تشكلت أدواتهم؟ ما حدود قدرتهم على التنظيم؟ وكيف تفاعلت النقابات، والجمعيات، والحركات الاجتماعية، مع الحكومات ومع التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة؟ في هذا السياق تبرز أهمية الكتاب القصير والمكثف «تطوير النقابات العربية: تحديات مسيرة مهنية»، الذي كتبه غسان صليبي بوصفه مساهمة نوعية في قراءة جانب مهم من تاريخ الحركات الاجتماعية العربية، من خلال الحركة النقابية تحديداً.
 

لا يتعامل الكتاب مع النقابات باعتبارها مؤسسات إدارية أو هياكل تنظيمية فحسب، بل بوصفها جزءاً من التاريخ الاجتماعي والسياسي للمنطقة. فالحديث عن النقابات هنا هو حديث عن العمال، وعن علاقات القوة داخل المجتمع، وعن حدود الديمقراطية، وعن الاستقلالية، وعن الصراع الطويل بين التنظيم الاجتماعي المستقل وبين أنماط السيطرة السياسية والإدارية. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الكتاب كمدخل مهم لإعادة كتابة الحركة النقابية في المنطقة العربية، لا من منظور النخب وحدها، بل من منظور العمال والنقابيين والمنظمات الوسيطة التي كثيراً ما كانت في قلب التحولات، وإن لم تحظ دائماً بما تستحقه من توثيق وتحليل.
مؤلف الكتاب، غسّان صليبي، ليس مراقباً خارجياً للحركة النقابية، بل أحد الفاعلين فيها. فهو باحث اجتماعي ومدرّب وخبير نقابي عمل مع منظمات محلية وعربية ودولية، وله مساهمات عديدة في قضايا الحركة النقابية اللبنانية والعربية، وفي قضايا التغيير الاجتماعي والسياسي الأوسع. وهذه الخلفية تمنح الكتاب قيمته الأساسية: إنه شهادة من الداخل، يكتبها شخص عاش التجربة، وشارك في بعض محطاتها، واصطدم بتناقضاتها، ولم يكتف بتأملها من موقع الباحث المحايد.
يتتبع الكتاب 3 محطات مركزية في مسيرة الكاتب: العمل في مؤسسة صناعية للغزل والنسيج، ثم العمل في الاتحاد العمالي العام في لبنان، ثم العمل في الاتحاد الدولي للخدمات العامة. هذه المحطات لا تشكل مجرد تسلسل مهني، بل تمثل انتقالاً من التعرف المباشر على «العامل» داخل المصنع، إلى الانخراط في قضايا تطوير النقابات الوطنية، وصولاً إلى الاشتباك مع سؤال تطوير النقابات العربية عبر الإطار النقابي الدولي. وهنا تكمن أهمية السرد: فهو يبدأ من التفاصيل الصغيرة للحياة العمالية اليومية، ثم يتوسع تدريجياً نحو البنى النقابية والسياسية العربية الأوسع.
يكتسب الكتاب أهمية خاصة لأنه يوثق مرحلة مفصلية سبقت الربيع العربي وما تلته. فقبل عام 2011 كانت المنطقة العربية تعيش تراكماً عميقاً من الاحتقان الاجتماعي والسياسي: ضعف التمثيل، هشاشة أسواق العمل، اتساع الفوارق الاجتماعية، وتآكل الثقة بالمؤسسات الرسمية، بما فيها بعض البنى النقابية التقليدية. وفي هذه المرحلة، لم تكن النقابات مجرد مؤسسات مطلبية، بل كانت إحدى الساحات التي ظهرت فيها أسئلة الديمقراطية والاستقلالية والتمثيل والقدرة على التنظيم. لذلك فإن قراءة تجربة تطوير النقابات العربية تساعد أيضاً في فهم بعض محركات التحول الاجتماعي والسياسي التي انفجرت لاحقاً في موجات الاحتجاج والحراك.
ومن اللافت أن الكتاب على صغر حجمه، يكشف اتساع القضايا التي يتناولها: تكوين المنطقة العربية داخل الاتحاد الدولي لنقابات الخدمات العامة، مشاركة النساء في الهيئات النقابية والمساواة مع الرجال، احتضان ظاهرة النقابات المستقلة، مشاريع التضامن، وتحديات تطوير النقابات من خلال دمج البحث والتدريب والحملات. هذه القضايا ليست تفصيلات تنظيمية داخلية، بل مؤشرات على التحولات العميقة في مفهوم العمل النقابي، من النقابة التابعة أو المحكومة بعلاقات تقليدية، إلى النقابة بوصفها أداة للتمثيل والمساءلة والدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
ما يميز الكتاب أيضاً أن مؤلفه لا يدّعي تقديم استعراض شامل للحركة النقابية العربية، بل يحدد موقعه بوضوح. فهو يكتب من منظور ناشط داخل مسيرة مهنية محددة، لا من منظور أكاديمي يسعى إلى الإحاطة بكل البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والنفسية التي تتحرك النقابات في إطارها. وهذه الصراحة المنهجية تجعل الكتاب أكثر صدقية؛ لأنه لا يختبئ خلف حياد مصطنع، بل يعترف بأن التجربة الشخصية هي مدخله إلى العام، وأن الاشتباك العملي مع الواقع هو مصدر التحليل.
وفي تقديري، فإن القيمة الأعمق للكتاب تكمن في أنه يربط بين الشخصي والعام. فهو لا يروي سيرة فردية مغلقة، بل يستخدم المسيرة المهنية كعدسة لفهم الحركة النقابية العربية، وأحلامها، وصراعاتها، وحدودها، وممكناتها. ومن هنا يصبح الكتاب وثيقة عن زمن كامل، لا عن تجربة شخص واحد فقط. إنه يفتح سؤالاً واسعاً حول موقع النقابات في مجتمعات تعاني ضعف الديمقراطية السياسية، وحول قدرة التنظيمات العمالية على إنتاج بدائل اجتماعية أكثر عدالة واستقلالية.
مع ذلك، يترك الكتاب لدى القارئ رغبة واضحة في المزيد. فبعض أجزائه جاءت على شكل إشارات سريعة تستحق التوسع، خصوصاً ما يتعلق بالربيع العربي، والعمل مع النقابات المستقلة في العديد من الدول العربية. هذه العناوين تصلح لأن تكون فصولاً كاملة، لأنها تضيء مرحلة شديدة الأهمية من إعادة تشكل المجال النقابي العربي بعد 2011.
وفي ضوء معرفتي الجيدة بالكاتب، أعتقد أن لديه القدرة والخبرة والذاكرة الحية للتوسع في هذه المحطات، ليس فقط من باب التوثيق، بل من باب التحليل العميق لمحركاتها السياسية والاجتماعية والتنظيمية. لذلك يمكن التعامل مع هذا الكتاب كمدخل تأسيسي لعمل أوسع حول النقابات والحركات الاجتماعية العربية. إنه كتاب صغير في حجمه، لكنه كبير في أسئلته؛ لأنه يذكرنا بأن تاريخ المنطقة لا يكتبه السياسيون وحدهم، بل يكتبه أيضاً العمال والنقابيون والفاعلون الاجتماعيون الذين حاولوا، في ظروف صعبة، أن يجعلوا من التنظيم والعدالة والديمقراطية اليومية أدوات للتغيير.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية