العبادي يكتب: الحكومة في مأزق... فهل يملك الرئيس قرار الانقاذ؟
بقلم: د. فوزان العبادي
لم يعد الحديث عن ازمة حكومية مرتبطة بملف واحد او وزير واحد، بل عن حالة من تراكم الازمات التي بدأت تفرض نفسها على المشهد السياسي وتضع الحكومة امام اصعب اختبار منذ تشكيلها. فمن استقالة وزير العمل على خلفية تضارب المصالح والتي لازالت معلقة !! الى الجدل الذي رافق عدد من العطاءات الحكومية، مرورا بالملاحظات المتزايدة على اداء عدد من الوزراء، والانتقادات التي طالت وزارة الزراعة بسبب ما يراه كثيرون بيئة طاردة للاستثمار، ثم علامات الاستفهام التي تحيط باداء وزارة المياه والري، وما رافقها من ازمة فواتير المياه التي تحولت الى قضية راي عام بعد اتساع شكاوى المواطنين وتحويل عدة ملفات فساد الى هيئة النزاهة، وصولا الى الخلاف الواسع حول مشروع قانون الادارة المحلية، وما اثير حول حادثة السوسنة وما حملته من تساؤلات تتعلق باحترام دور السلطة التشريعية والرقابية، كلها ملفات تراكمت حتى اصبحت تشكل عبئا سياسيا ثقيلا على الحكومة، وتهدد بتآكل الثقة بينها وبين الشارع. المشكلة لم تعد في وجود اخطاء، فكل الحكومات تخطئ، وانما في غياب المبادرة السياسية القادرة على احتواء هذه الاخطاء قبل ان تتحول الى ازمات متلاحقة. كما ان تعدد الملفات خلال فترة زمنية قصيرة يعطي انطباعا بان الخلل لم يعد محصورا في اداء وزير او وزارة، بل اصبح يتعلق بقدرة الفريق الحكومي على ادارة الدولة والتعامل مع الاستحقاقات السياسية والاقتصادية والادارية. وكان من المتوقع ان تقابل هذه الملفات بمزيد من المكاشفة والوضوح، لكن الصمت في عدد من القضايا فتح الباب امام التأويلات، وزاد من حجم الشكوك، بينما كانت الحاجة تقتضي خطابا حكوميا واضحا وشفاف يجيب عن اسئلة المواطنين ويعيد بناء الثقة. ويزداد الامر حساسية عندما يتعلق الجدل بمشروع قانون الادارة المحلية، وهو احد القوانين المرتبطة بمسار التحديث السياسي، اذ ان ادارة هذا الملف كان يفترض ان تقوم على الحوار والتوافق مع القوى السياسية، لا ان يتحول الى مصدر خلاف وانقسام. واليوم يبدو رئيس الوزراء امام مفترق طرق حقيقي، فاما ان يقود مراجعة شاملة لاداء فريقه الحكومي، ويعيد تصويب المسار من خلال قرارات جريئة تعيد الاعتبار لمبادئ المساءلة والشفافية والكفاءة، واما ان تستمر الحكومة في سياسة رد الفعل، لتبقى كل ازمة جديدة دليلا اضافيا على ان المشكلة اصبحت اعمق من مجرد ملفات متفرقة. ان قوة الحكومات لا تقاس بعدد البيانات التي تصدرها، بل بقدرتها على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، ومحاسبة المقصر، وحماية ثقة المواطن بمؤسسات الدولة. فحين تتراكم الازمات دون معالجات واضحة، يصبح الاصلاح ضرورة سياسية قبل ان يكون خيارا اداريا، ويصبح الانقاذ مسؤولية لا تحتمل مزيدا من التأجيل.


