اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

أبو زينة يكتب: موازين القوة تعبث بالرياضة، أيضا..!

{title}
أخبار الأردن -

 

علاء الدين أبو زينة


يحاول الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) تقديم نفسه دائمًا كمؤسسة محايدة تفصل الرياضة عن السياسة، لكن هذا الادعاء أصبح متهافتًا لا يمكن الدفاع عنه. وقد أظهرت تفاعلات «الفيفا» -منذ الغزو الروسي لأوكرانيا ثم حرب الكيان على غزة على الأقل- أن مواقفه تخضع لموازين القوة الدولية أكثر مما يستند إلى مبادئ ثابتة.
 

في العام 2022، سارع «الفيفا» إلى استبعاد روسيا خلال أيام من بدء حربها في أوكرانيا من جميع مسابقاته، ومنع أنديتها من المشاركة في البطولات القارية، وأقصى منتخبها من تصفيات كأس العالم. وفي ذلك الحين، لم ينتظر نتائج التحقيقات المطولة أو الأحكام القضائية النهائية، وتحرك على الفور تحت عنوان حماية نزاهة اللعبة وصون الأمن الدولي.
لكنه سلك في حالة الكيان طريقًا مختلفًا تمامًا. فمنذ شن الحرب الإبادية على غزة، طالبت اتحادات رياضية ودول في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية بتعليق عضوية الكيان -أو على الأقل فتح تحقيق جدّي بشأن استمرار مشاركته بعد قتل مئات الرياضيين الفلسطينيين، وتدمير الملاعب والمنشآت الرياضية، وحرمان الرياضيين الفلسطينيين من التدريب والتنقل والمنافسة. لكن «الفيفا» اختار التأجيل، وأحال الملف إلى لجان قانونية بينما سمح للكيان بمواصلة مشاركته في التصفيات الدولية بصورة طبيعية.
بينما يبرر «الفيفا» الكثير من قراراته برفضه «تسييس الرياضة»، كانت قراراته تجاه روسيا سياسية بوضوح. وفي حين برر استبعاد روسيا بانتهاكها القانون الدولي قبل صدور قرارات حاسمة، فإنه لم يُطبق المبدأ نفسه على الكيان في ظل التدابير الاحترازية التي طالبت بها «محكمة العدل الدولية»، ومذكرات التوقيف الصادرة عن «المحكمة الجنائية الدولية» بحق مسؤولين من الكيان، والتقارير الأممية وتقارير المنظمات الحقوقية التي تتحدث عن انتهاكات واسعة ضد المدنيين.
في هذه الحالات وغيرها، كانت القرارات مدفوعة بعوامل سياسية سياسية أكثر منها قانونية. ورغم ادعائه الاستقلال المؤسسي، الفيفا»، يعمل «الفيفا» داخل نظام دولي تتحكم به القوى الغربية اقتصاديًا وإعلاميًا وسياسيًا. ولذلك يتخذ إجراءات حاسمة ضد دولة معزولة نسبيًا مثل روسيا، بينما يتجنب مواجهة شيء مثل الكيان الصهيوني، الحليف الوثيق لمراكز الثقل والنفوذ مثل الولايات المتحدة وأوروبا.
وعندما يتعلق الأمر بالولايات المتحدة، التي تشارك في استضافة نهائيات كأس العالم لهذا العام، يعرف العالم كله أدوارها في تسهيل الإبادة الجماعية في فلسطين –بالإضافة إلى انتهاكاتها غير المقتصدة للقوانين الدولية والإنسانية. وكانت الداعم العسكري والسياسي الأبرز للكيان، ووفرت له الغطاء الدبلوماسي في مجلس الأمن، واستمرت في تزويده بالأسلحة على الرغم من الأدلة الدامغة على ارتكابه جرائم حرب وإبادة جماعية. ولم ينعكس هذا الواقع على تعامل «الفيفا» مع الولايات المتحدة -أو مجرد مناقشة فكرة تجريدها من حق استضافة النهائيات لهذه الأسباب. ولو كانت روسيا أو الصين تواجه نفس الاتهامات لما تردد «الفيفا» في طرح الفكرة، وتمريرها على الأغلب.
في نهائيات كأس العالم الحالية، عاد «الفيفا» إلى عرض تناقضاته وازدواجيته بفرض قيود استثنائية على المنتخب الإيراني. وقد ألزم اللاعبين والجهاز الفني بالسفر إلى الولايات المتحدة قبل كل مباراة بيوم واحد فقط، ثم العودة إلى المكسيك في الليلة نفسها، في إخلال صريح بمبدأ تكافؤ الفرص. كما منع «الفيفا» رفع علم «الأسد والشمس» الذي يستخدمه معارضو الحكومة الإيرانية باعتباره رمزًا سياسيًا، بينما سمح برفع أعلام «قوس قزح» باعتبارها تعبيرًا عن حقوق الإنسان. وبذلك وضع «الفيفا» نفسه في مواجهة الحكومة الإيرانية، والمعارضة الإيرانية، وسلطات مدينة سياتل، وجماهير المنتخب الإيراني كلهم معًا.
ثم، في تعبير صريح عن تأثير النفوذ السياسي المباشر في القرارات الرياضية، شهدت البطولة الحالية واقعة غير مسبوقة عندما تدخل الرئيس الأميركي وطالب «الفيفا» بإلغاء بطاقة حمراء نالها لاعب أميركي، فقط ليخضع «الفيفا» ويُلغي قرار الطرد. وقد تبدو الواقعة تفصيلًا عابرًا في مباراة لكرة القدم، لكنها تؤشر إلى الوزن الذي تمارسه القوة السياسية، حتى في أكثر القرارات الفنية ارتباطًا بالمنافسة.
مما يدعو إلى التأمل أن النفوذ السياسي والاقتصادي الهائل للولايات المتحدة، بكل ما يتيحه من قدرة على التأثير في المؤسسات الدولية، لم يستطع أن يحول دون خروج منتخبها من البطولة. وهي مفارقة تذكِّر بأن القوة، مهما عظمت، تظل محدودة عندما تصطدم بوقائع الميدان وقوانين المنافسة. وإذا كان التفوق السياسي لم يستطع أن يكفل الانتصار في كرة القدم، فإنه لا يضمنه أيضًا في ميادين السياسة والحروب والاقتصاد. وقد أثبت التاريخ أن الإرادة والصمود وحسن الإدارة قادرة على تقويض مزايا القوة المادية، وأن موازين القوى، مهما بدت راسخة لا تُنازع، ليست قدرًا حتميًا.
من الواضح أن «الفيفا» ليس خارجًا عن سرب المؤسسات المدجنة. وهو يعاني أزمة في اختيار المعايير التي يعتمدها للتمييز بين ما يعد سياسيًا وما يعد حقوقيًا، وبين ما يستوجب العقاب وما يتطلب الحماية. ومثل كل مؤسسة دولية أخرى، تكتسب معاييره مرونة إلى حد الميوعة عندما يتعلق الأمر بحلفاء الغرب، وحزمًا متطرفًا عندما تتصل بخصومه. ومثلما يحدث في كل المؤسسات، لا يصمد شعار الحياد أمام اعتبارات القوة والنفوذ. ومع تحول الرياضة إلى أداة مهمة لعرض القوة الناعمة وصناعة الصورة الدولية، يلتحق «الفيفا» ببقية المؤسسات الدولية في تزوير الصورة، ويفقد مصداقيته بإخفاقه في تطبيق نفس المبادئ على الجميع.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية