اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

كراجة يكتب: لماذا أميركا "رأس الحية"؟

{title}
أخبار الأردن -

 

سائد كراجة


أول مهام الدول حماية وجودها ومصالحها. وعموماً، ومن هذه الزاوية، تاريخ الأمم هو تاريخ للحروب أكثر منه تاريخ للسلام والتعاون. لكن القرن الماضي تحديداً شاهدٌ على سلوك أمة بدأت بثورة وانتهت لتكون وراء إجهاض أغلب محاولات الشعوب للنهوض والاستقلال. إنها  زعيمة «الاستقلال والديمقراطية وحقوق الإنسان».
 

لا يهدف في هذا المقال لتبرئة العوامل الداخلية التي ساهمت في فشل مشاريع النهضة، ولكن حضور أميركا في إجهاض مشاريع النهوض الوطني للشعوب نمط متكرر، وليس محاولات معزولة.
ففي أميركا اللاتينية مثلاً - فِناء أميركا الخلفي- أسقطت أميركا حكومة أربينز في غواتيمالا عام 1954، وذنبها أنها فكرت باستعادة أرض استولت عليها شركة أميركية من فلاحين فقراء، كما أسقطت أليندي في تشيلي عام 1973 لأنه اختار طريقاً اشتراكياً عبر الديمقراطية التي تبشر بها أميركا. وكذلك فعلت في البرازيل عام 1964، وبوليفيا، وأيضاً نيكاراغوا حيث موّلت واشنطن “الكونترا” ضد الثوار الاشتراكيين، ولا ننسى غرينادا عام 1983، وهايتي مرتين. يتكرر المشهد: حكومة تغامر، أو تقترب من محاولة الاستقلال الاقتصادي، فتتدخل أميركا بذراعها CIA وتبطش بها.
في أفريقيا، لاقى لومومبا الإصلاحي في الكونغو عام 1960 المصير ذاته، ونكروما في غانا أُطيح به عام 1966 بعد أن حاول توحيد أفريقيا اقتصادياً، وكما نرى فإن ليبيا لا تزال تدفع الثمن منذ عام 2011. وما يثار حول دور أميركا مع الأخوان المسلمين في مصر معروف ومشهور.
أما آسيا فليست أحسن حالاً؛ فإندونيسيا عام 1965 شهدت واحدة من أكثر المجازر دموية في القرن العشرين لتصفية اليسار، وأفغانستان تحولت من ساحة حرب بالوكالة إلى أطول حرب أميركية مباشرة.
الشرق الأوسط يستحق وقفة خاصة، لأن سلوك أميركا فيه لا يمثل فعل هيمنة اقتصادية فحسب، بل مساهمة في التأسيس للصهيونية كمشروع إحلالي إمبريالي أنفقت عليه أميركا أموالاً طائلة. ولم يقتصر الأمر على فلسطين، ففي سورية عام 1949 تحوم الشكوك حول مساندتها انقلاب حسني الزعيم، وهو الانقلاب الذي يمثل منعطفاً للديكتاتورية في المنطقة. وفي إيران عام 1953 أُسقط الرئيس مصدق، ولم يكن شيوعياً، ولم يفعل أكثر من تأمين نفط بلاده. وفي العراق بين 1958 و1963 تشابكت أصابع خفية مع انقلابات متتالية غيّرت وجه البلاد أكثر من مرة.
من آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، من إيران إلى فلسطين إلى سورية إلى ليبيا إلى العراق، تتكرر نحو ثماني وعشرين حالة موثقة بدرجات متفاوتة من اليقين للتدخل الإمبريالي الأميركي؛ بعضها قاطع لا نقاش فيه، سنداً لوثائق أميركية مفرج عنها، وبعضها ما زال محل جدل بين المؤرخين. لكن عددها الحقيقي أقل أهمية من معناها العميق: في كل مرة، كما قلنا، كانت الشعوب تسعى نحو الاستقلال وأن تملك أمرها وتضع مشروعاً نهضوياً تسعى لتحقيقه تدخل اليد الأميركية لإجهاض هذا الحلم.
ومن باب الإنصاف، نقول إن موسكو مارست أفعالاً مشابهة في محيطها، في المجر وتشيكوسلوفاكيا وأفغانستان، بل بعنف علني أقسى أحياناً. لكن دافعها كان عقائدياً نوعاً ما - وليس هذا مبرراً بالضرورة - بينما اندفعت أميركا إلى ما هو أبعد من الأيديولوجيا نحو السيطرة الاقتصادية وتغيير الهوية الثقافية للشعوب.
هناك أمثلة على النهوض رغم السيطرة الأميركية، كما في كوريا الجنوبية وتايوان.
أميركا دولة مهيمنة، وإمبريالية في عقيدتها، رغم خطاب حقوق الإنسان الذي هو للاستهلاك وللمجال المحلي، ولا ينطبق بالضرورة على أمم وشعوب العالم دولياً. وطبعاً هذا لا يغير وجود أفراد ومؤسسات وتيارات أميركية تؤمن بحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير المصير.
أميركا واقعٌ يجب التعامل معه، وهي فعلاً كما قلنا أعلاه رأس الحية، لكنها ليست قدراً محتوماً، جنابك.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية