عايش يكتب: اللغة الصحيحة سياسيا واللائقة اجتماعيا
حسني عايش
ظهر مصطلح اللغة الصحيحة سياسياً Politically correct language ، قبل أكثر من مائة سنة كما يفيد ثوماس اركسون الباحث والمفكر في كتابه عن الكذب والكذابين (2024)، كان أول ظهور له في مفردات لينين الماركسية، بعد نجاح الثورة البلشفية سنة (2017) وقد استخدم هذا المصطلح في حينه لجعل أعضاء الحزب الشيوعي والناس يتعودون على مبادئ الحزب ومفرداته، أي أنه كان ممنوعاً عليهما استخدام لغة لا تنسجم مع مبادئ الحزب وسياسته.
ظل هذا المصطلح نائماً بعد ذلك حتى ستينيات القرن الماضي حين انتشر الوعي السياسي بين الناس، ولكنه اتخذ معاني لغوية تهدف إلى خلق نماذج من الدمج الاجتماعي للمعوقين والأعراف والإثنيات في المجتمع الأكبر على اعتبار أن الجميع بشر وأنهم متساوون في القيمة والكرامة الإنسانية. وبمرور الوقت صار يغطي مدى واسعاً من الموضوعات بدءا من الجندر، والقضايا العنصرية، والقرارات الجسدية، والصحة العقلية، وانتهاء بالقضايا السياسية والفكرية، والمثلية الجنسية.
كان المعنى الصحيح أو اللغة الصحيحة سياسياً واللائقة إنسانياً قبل فوز ترامب برئاسة الولايات المتحدة الأميركية هو الاحترام والاعتبار لمختلف فئات المجتمع مهما كانت خلفياتها وأشكال وألوان شخوصها. لكن ترامب قلب الوضع رأساً على عقب عنصرياً بالإجمال، فمصدر قوة ترامب سلطته الواسعة وتأييد الحزب الجمهوري له.
أما بالنسبة لذوي الاعاقة فقد كانت اللغة تقوم على دمجهم في المجتمع بدءاً من المدرسة وانتهاء بمواقع العمل، لقد أسقطت اللغة الصحيحة سياسياً واللائقة اجتماعياً هذا المصطلح وصار الناس يصفون «المعاقين» بذوي الحاجات الخاصة. ومن ذلك أيضاً أنك لا تصف شخصاً قصيراً بالقزم، بل بالمتحدي عمودياً، والأعمى، بالمتحدي بصرياً، والأطرش بالمتحدي سمعياً، والمشلول بالمتحدي حركياً، والأعسر باليسراوي، ومن كان على عينه بياض بعينه كريمة وهكذا. ولم لا، فالتطور العلمي قد يقضي على كل هذا العوق إنسانياً. إنك باللغة الصحيحة سياسياً أو اللائقة إنسانياً تحافظ على كرامة الإنسان وترفع معنوياته ولا تجعله أسيراً مطلقاً للإعاقة.
لكن يبدو أن لترامب رأيا آخر، فاليمين الذي يقوده ظل يعتبر المصطلح زائداً سياسياً واجتماعياً وأن التركيز على ذلك قد يمنع الناس تعصباً من تغيير وجهات نظرهم.
تقليدياً لا يجرؤ معظم الناس على أن يكونوا أمناء تماماً مع انفسهم أو مع تاريخهم أو مع غيرهم عندما يناقشون موضوعات معينة أو إشكالية أو شائكة، الحسابات خاصة نحوها، فإن ذلك يجعل الحوار صعباً والصدق به بعيداً، بل يضعف التسامح عند بعض الناس نحو الآراء التي لا تتفق مع آرائهم، وبالتالي إلى الأضرار بالرأي العام، وفي الثقة بين المواطنين.
يعبر الناس عن آرائهم ومواقفهم في كثير من الأحيان من أجل الظهور والتظاهر بأنهم أخلاقيون أو وطنيون وليس لتوصيل أفكارهم ومشاعرهم. ومن ذلك قيام شاب – مثلاً – يجمع النفايات تم توقفه عن ذلك بمجرد إغلاق الكاميرا، ومثل من يعطي ليراه الناس، وتخليه عن ذلك عندما لا يرونه.
وختاماً: يجب علينا استخدام اللغة الصحيحة سياسياً أو اللائقة إنسانياً فيما نقول ونكتب، وبخاصة في كتابة التاريخ. لقد أحطنا تاريخنا في الكتب المدرسية بهالة من القداسة، فكأن رموزه كانوا معصومين من الخطأ، مما أدى إلى عمى البصيرة، وإلى جعل النقد له محرماً. أن ثقافة التلميذ التي يحصل عليها من تعلّم هذا التاريخ تلازمه مدى الحياة حتى وإن أصبح أستاذاً في الجامعة. إذا لم تصدق أقرأ كتبهم في المدرسة وكتبهم في الجامعة تجد أنه لا فرق يذكر بينهما من حيث التمجيد والتقديس.







