اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

منصور يكتب: ثقافة البحث عن كبش فداء

{title}
أخبار الأردن -

 

د.عاصم منصور


حين ودع منتخبنا الوطني كأس العالم من دور المجموعات، بثلاث خسائر متتالية لم يكن مفاجئًا أن ينشغل جزء من الرأي العام بالبحث عن وجه واحد يعلَق عليه ثقل الوداع. وقع الاختيار سريعًا على حارس المرمى يزيد أبو ليلى، إثر أخطاء بدت فادحة في مباراة الأرجنتين، فصار الحارس، في نظر الكثيرين، هو «سبب» الإخفاق، وكأن أحد عشر لاعبًا، وجهازًا فنيًا، ومنظومة كرة القدم بأكملها، قد تبخرت مسؤوليتها لتتكثف بين قفازي رجل واحد، في غريزة جماعية أعتق من كرة القدم وأوسع منها، غريزة البحث عن كبش فداء نحمله خطايانا لنستريح.
 

تعبير «كبش الفداء» ليس مجازًا عابرًا؛ بل هو صدى لطقس قديم كانت الجماعة تحمل من خلاله حيوانًا واحدًا ذنوبها كلها، ثم تدفع به إلى الصحراء ليحمل عنها وزر ما اقترفت. وجوهر الطقس لم يتغير، تغير شكله فقط، فحين يخفق فريق أو مؤسسة أو مجتمع، يبدو أسهل ما يمكن فعله هو أن يعثروا على «المذنب»، فردًا بعينه، ويصبوا عليه اللوم كاملًا، ليهدأ الجميع، فتحميل فرد ما وزر الإخفاق بمثابة صك براءة للمنظومة برمتها. وهنا تكمن الخديعة فنحن هنا لا نعالج أصل العلة بل نستخدم مسكنا للألم يمنحنا وهم البراءة الجماعية. 
ملعب الكرة مسرح قاس، فخطأ الحارس مرئي وقابل لإعادة العرض بالتصوير البطيء مرة تلو الأخرى؛ مما يجعل منه الضحية المثالية، أما الأسباب الحقيقية للخسارة، فهي أعمق من لقطة واحدة وأبعد من مرمى، وتشمل على سبيل المثال لا الحصر مستوى الدوري المحلي، وحجم الاستثمار في اللعبة، وجودة الإعداد البدني والذهني للاعبين، والتخطيط طويل الأمد، والفارق الموضوعي في الإمكانات بيننا وبين فرق سبقتنا في هذا المضمار، وتحميل الحارس وحده وزر الخروج ليس ظلما له فحسب، بل هو غض للطرف عن الصورة الصورة كاملة. كما أنه من باب الإنصاف فنحن أمام منتخب يخوض أول مشاركة في تاريخه بكأس العالم، ووصوله إلى هذه المرحلة يعد إنجازا لا خسارة، لكن ثقافة كبش الفداء لا تتقن قراءة المنجز؛ بل اصطياد الفاعل.
وهذه الثقافة باهظة الثمن، وإن بدت مجانية، فحين نعثر على كبش فداء نحمله كامل أوزارنا، نتوقف عن التعلم من أخطائنا ويبقى السبب الجذري للفشل حاضرا لم يمس، فيتكرر الإخفاق نفسه في المرة القادمة، لكن بوجه جديد وكبش جديد. فالمؤسسات والمجتمعات التي تدمن هذا السلوك تدور في حلقة مفرغة تعاقب الأعراض وتترك الداء.
كما أن هناك كلفة أخرى أخطر، فحين يتعلم الناس أن الخطأ يعني الإعدام المعنوي، فأنهم يكفون عن المخاطرة، ويتجنبون المواقع المكشوفة، ويؤثرون السلامة على المبادرة، فمجتمع يفتش عن كبش بعد كل عثرة، ينتج أفرادًا يخشون المبادرة.
أما المنظومات الناضجة فتخطت لنفسها مسارا مغايرا، فبعد كل إخفاق، تطرح سؤالًا مختلفًا تمامًا: ليس «على من نعلق الفشل؟»، بل «ما الذي سمح لهذا أن يحدث؟»، وهذا هو الفارق بين ثقافة اللوم وثقافة التعلم؛ وبين مطاردة الأشخاص وتشريح الأسباب، الأولى تبحث عن مذنب لتستريح، والثانية تبحث عن خلل لتصلحه.
فالسؤال الذي يجب أن يلي أي إخفاق، سواء في الملعب أو خارجه، ليس «على من نلقي اللوم؟»، بل «ما الدرس الذي يجب أن نتعلمه، وكيف نرتقي بأدائنا في المرة القادمة؟». الأول سؤال ينهي النقاش ويريح الضمير الجماعي زورًا ليصحوا على إخفاق آخر؛ أما السؤال الثاني فيفتح الباب أمام التطور، فالأمم لا تتقدم حين تجيد اختيار ضحاياها، بل حين تجيد مواجهة أسباب عثراتها.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية