اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

ملكاوي يكتب: "الضمور المعرفي".. ما جدية خطورته؟

{title}
أخبار الأردن -

 

موفق ملكاوي


ظهر الذكاء الاصطناعي لمساعدة الإنسان على إنجاز الأعمال، وتوفير الوقت والجهد في تنفيذ المهام اليومية، لكنه بدأ يتسلل إلى منطقة حساسة تتمثل في الوظائف العقلية نفسها، فبعد أن اعتدنا على الاستعانة بالآلات في الأعمال الجسدية، أصبحنا اليوم نفوضها في التذكر والتحليل والاستنتاج والكتابة واتخاذ القرار، وهو تحول يثير أسئلة عن مستقبل القدرات الذهنية البشرية، والثمن الذي قد ندفعه مقابل هذا القدر غير المسبوق من الراحة المعرفية.
 

يدرس العلماء اليوم ما يسمونه «الضمور المعرفي بالوكالة»، وهو مفهوم ظهر ليشير إلى حالة يتنازل فيها الإنسان تدريجيا عن بعض وظائفه العقلية لصالح أنظمة خارجية تؤديها عنه بصورة مستمرة. وكما تضعف العضلات عندما يتوقف الإنسان عن استخدامها، يشير المختصون إلى إن القدرات الذهنية قد تتعرض للتراجع عندما تصبح الآلة مسؤولة عن ممارستها نيابة عنه، وتتسلل تدريجيا إلى تفاصيل الحياة اليومية وتصبح جزءا من السلوك الاعتيادي.
في ممارساتنا اليومية نكتشف حجم التحول الذي حدث خلال سنوات قليلة، فقد أصبحت خرائط «غوغل» تتولى مهمة تذكر الطرق، والهواتف الذكية تحفظ أرقام الهواتف وأعياد الميلاد والمواعيد، وأدوات الذكاء الاصطناعي تقوم بتلخيص الكتب وصياغة التقارير، واقتراح الأفكار، وكتابة المقالات، والإجابة عن الأسئلة، وحتى تحليل المشكلات واتخاذ بعض القرارات الأولية، ما قد يؤدي إلى توقف الإنسان تدريجيا عن تعلم الكتابة الجيدة، وفقدانه مهارة البحث عن الحلول بنفسه. 
لكن الحديث عن الضمور المعرفي لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب هلع لرفض التكنولوجيا، فالذكاء الاصطناعي يقدم فوائد حقيقية بإتاحته الوصول السريع للمعلومات، وتجاوز الأعمال الروتينية المرهقة، وفتح المجال لسرعة إنجاز مهام كانت تتطلب ساعات طويلة من الجهد. كما لا ننسى قدرته الكبيرة في مساعدة الباحثين والطلاب والمهنيين على رفع إنتاجيتهم، ففي كثير من الأحيان، يؤدي الاعتماد على الأدوات الذكية إلى توجيه القدرات البشرية نحو مستويات أعلى من التفكير، اعتمادا على كيفية الاستخدام.
لكن هذه الإيجابيات لا تلغي الحاجة إلى النظر في الآثار الجانبية المحتملة، فهناك فرق كبير بين استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة، وبين تحويله إلى بديل دائم عن التفكير. عندما يعتاد الطالب على الحصول على الإجابة الجاهزة قبل أن يبذل أي جهد في البحث والتحليل، فإن العملية التعليمية نفسها تصبح مهددة. وحين يتوقف الموظف عن ممارسة مهارات الكتابة أو التفكير النقدي، فإنه قد يكتشف بعد سنوات أن كفاءته الحقيقية أصبحت أقل بكثير.
الضمور المعرفي يصيب الذاكرة ومهارات الحساب، وقد يمتد إلى جوانب أعمق من الشخصية الإنسانية، فالتفكير عملية تشكل الإنسان نفسه، ومن خلال البحث والتأمل والمقارنة والخطأ والتصحيح، تتكون الخبرة الشخصية وتتبلور الرؤية الخاصة للعالم. أما إذا اختزلت العملية كلها في طلب سريع موجه إلى نظام ذكي، فإن الإنسان يحصل على الإجابة، لكنه يخسر الرحلة التي كانت ستقوده إلى فهمها. وهناك أيضا العلاقة بين الجهد والمعنى، فالعديد من الإنجازات الإنسانية تكتسب قيمتها من المشقة التي رافقت تحقيقها، فهي تجارب تصنع لدى الإنسان شعورا بالكفاءة والثقة والإنجاز، وغيابها يؤدي إلى فقدان بعض المعاني النفسية والثقافية المرتبطة بالتعلم نفسه.
ربما يكون التحدي الحقيقي أمام المؤسسات التعليمية اليوم هو تعليم الأجيال الجديدة متى تستخدم الذكاء الاصطناعي ومتى يجب أن تعتمد على قدراتها الذاتية، إذ لا يمكن القيام بتفويض جميع مهامنا له، فهناك مهارات أساسية ينبغي أن تبقى جزءا من التدريب العقلي المستمر، مثل القراءة النقدية والتحليل المنطقي والكتابة وحل المشكلات، والقدرة على تقييم المعلومات وتمييز الصحيح من الخاطئ.
الذكاء الاصطناعي قادر على أن يكون امتدادا لقدراتنا، كما يمكن أن يتحول إلى بديل عنها. والبشر قد يعتادون التخلي طوعا عن بعض قدراتهم العقلية الأساسية، وتفضيلهم الراحة والنتيجة السريعة على الخبرة العميقة ومتعة التفكير نفسه.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية