العثامنة يكتب: محاكم ميدانية بحجم راحة اليد
مالك العثامنة
لا يمكن القول أن الغضب تولده وسائل التواصل الاجتماعي، لكن هذه المنصات "الافتراضية" أعطت للغضب الجمعي ساحة مفتوحة لا تنام، ففي السابق كان الغضب يحتاج إلى حزب أو نقابة أو صحيفة أو شارع أو زعيم أو حادث كبير كي يظهر، أما اليوم فيكفي هاتف واحد، ومقطع قصير، وجملة حادة، حتى تتحول مشاعر متفرقة إلى موجة عامة.
هذه الساحة الجديدة منحت الناس صوتا، لكنها لم تمنحهم الحوار المطلوب بشكل صحي، وصحيح أنها فتحت المجال العام، لكنها كسرت كثيرا من قواعده، وهي قد قربت المواطن من الحدث، لكنها أبعدته أحيانا عن الفهم الهادئ، ولذلك صارت بديلا عن الساحة العامة، لكنه بديل ناقص وخطر، يجمع الناس بسرعة، ويفرقهم بسرعة، كما يحاكم بسرعة، وينسى بسرعة.
في الأردن، كما في غيره، لم يعد النقاش العام يولد فقط في البرلمان أو الصحيفة أو الحزب أو النقابة أو المجلس المحلي، بل يولد أحيانا من تعليق غاضب، أو فيديو قصير، أو هاشتاغ، أو لقطة مجتزأة، ثم تجد الدولة نفسها تلحق بالرواية بعد أن تكون قد تشكلت، وتحاول أن تشرح بعد أن يكون الغضب قد أخذ مكانه في وجدان الناس.
المشكلة أن الدولة العربية غالبا تدخل عالم "السوشال ميديا" بعقل التلفزيون الرسمي، تنشر خبرا وتنتظر التصفيق، ثم تنزعج من التعليقات، مع أن تلك المنصات ليست لوحة إعلانات، بل مكان سريع ومشاكس وساخر وعدواني أحيانا، ولا يكفي أن تكون الدولة موجودة فيه، بل عليها أن تفهم منطقه قبل أن تخاطبه.
الخوارزمية لا تحب الهدوء، ولا تكافئ الشرح الطويل، ولا تنتظر اكتمال الحقيقة، هي تكافئ ما يثير الانتباه، الغضب، السخرية، الفضيحة، الخوف، والصدمة، ولهذا صار الرأي الهادئ يبدو باهتا، والشرح المتوازن يبدو ضعيفا، ومن لا يصرخ كأنه لا يملك قضية.
أخطر ما في تلك المنصات أنها تحولت إلى محاكم ميدانية قاسية، فالجمهور لا يكتفي بإبداء الرأي، بل يطالب بالعقاب والإقالة والمقاطعة والسجن أحيانا، وفي بعض الحالات يكون هذا الضغط ضروريا لكشف خطأ أو ظلم أو فساد، وفي حالات أخرى يتحول إلى إعدام معنوي بلا تحقيق ولا سياق ولا حق دفاع.
لكن لوم تلك المنصات الافتراضية وحدها سهل ومضلل، فهي لم تصبح بهذه القوة إلا لأن الساحات القديمة ضعفت، فحين يضعف الحزب يصبح الهاشتاغ حزبا مؤقتا، وحين تهزل الصحافة يصبح المؤثر مصدرا، وحين يضيع البرلمان دوره الحقيقي يصبح التعليق العام بديلا عن المساءلة، وحين يصيب المؤسسات الوسيطة الوهن يصبح الغضب المتناثر حركة بلا قيادة.
لذلك لا يكون الحل في لعن التواصل الاجتماعي ولا في تمجيده، بل في بناء ساحة عامة أوسع وأعقل، من خلال دولة تشرح مبكرا ولا تنتظر الاشتعال، وصحافة تدخل المنصة دون أن تتحول إلى نسخة رديئة من المؤثرين، ومجتمع لا يحول كل خطأ إلى إعدام، ولا كل خلاف إلى خيانة، ولا كل منشور غاضب إلى حقيقة مكتملة.
منابر التواصل الاجتماعي مرآة تعكس اضطرابنا وارتباكاتنا المجتمعية، وتكشف ما نريد أحيانا أن نخفيه، وهي تمنح الصوت لمن لا صوت له، لكنها- في المقابل- تمنح الضجيج أيضا لمن لا فكرة عنده، وهي تفضح السلطة، لكنها تصنع سلطات جديدة: سلطة الترند، وسلطة الجمهور، وسلطة المؤثر، وسلطة الخوارزمية.
منصات هذا العالم الافتراضي ليست المشكلة بذاتها، بل هي الفضيحة اليومية لفراغنا العام، والسؤال الحقيقي ليس في " لماذا يذهب الناس إلى الهاتف؟"، بل لماذا لم يجدوا خارجه مؤسسة تسمعهم؟ وصحافة تصدقهم؟ أوحزبا يمثلهم؟ أو حتى برلمانا يقنعهم، ودولة بمؤسساتها تسبق غضبهم قبل أن يتحول إلى محكمة ميدانية بحجم راحة اليد؟







