أبو طير يكتب: الذي قالته غزة لمصر والمصريين
ماهر أبو طير
لا أتابع كأس العالم، ولا المباريات، ولست من هواة كرة القدم، وكل شيء عندي هو سياسة في سياسة، ولكل إنسان اهتماماته الخاصة.
لكن في كأس العالم هذه المرة هناك مشاهد تستحق أن يقف المرء عندها، ومن بينها هذا التشجيع منقطع النظير بين أبناء قطاع غزة، للمنتخب المصري، فأولئك الذين يعانون تجمعوا في الخيام، في ظروف مأساوية وتابعوا مباراة مصر مع أستراليا، وقاوموا القتل واليأس، لأن من حقهم الحياة، وفرحوا بطريقة غير مسبوقة لأجل مصر بعد فوزها على أستراليا، ومشاهد الفيديو تثبت ذلك كل لحظة.
هذا مشهد يعبّر عن أبناء أمّة واحدة، وجوار تاريخي واجتماعي وجغرافي، وهو لم يخضع لكل التوظيفات السياسية التي نسمعها دائما والموجهة ضد مصر وعلاقتها بغزة، ودورها خلال الحرب، ومساحات التلاوم التي كانت تقول أين المصريون ولماذا لم يتدخلوا؟
هذه ظاهرة فريدة تعيد أسس نظريات التحليل السياسي، وتثبت في حالات كثيرة أن العلاقات بين الشعوب أفضل من العلاقات بين الرسميين، وأن هناك انطباعات زائفة عن كراهية غير موجودة أصلا، مثلما أن علينا أن نفكر اليوم في آلاف التعليقات المعنونة بأسماء فلسطينية كانت خلال الحرب تقدح سمعة مصر والمصريين، وهل هي حسابات حقيقية أم زائفة، أم موجهة من جهات أمنية خارج إطار العلاقة الفلسطينية المصرية، أو أنها تمثل اتجاها سياسيا محددا؟.
رد مدرب مصر حسام حسن التحيّة بأحسن منها حين رفع العلم الفلسطيني في الملعب بعد الفوز، وسمعنا كلنا هتافات مصرية تقول الحرية لفلسطين، وقال في تصريحات إعلامية له: "قلبي وروحي مع الفلسطينيين. رحم الله شهداءهم. أهدي هذا الفوز للشعب المصري والشعب الفلسطيني، الشعبين الطيبين والنبيلين، قلبي وروحي مع الشعب الفلسطيني، الذي يتابع مباريات المنتخب المصري ويشجعه".
وهو ذات المشهد الذي مارسه المصريون في شوارع لندن العربية حين تجمعوا بالآلاف ورفعوا أعلام مصر وفلسطين احتفالا بفوزهم على أستراليا، وهتفوا لفلسطين، مما أثار غضب الإسرائيليين، وضخ الإعلام الإسرائيلي كلاما سيئا ضد المدرب وضد المصريين.
لا أحد من العرب يكره مصر، ولا المصريين، ولها مكانتها الخاصة في قلوب العرب، وليس أدل على ذلك من الفرح العارم بين العرب لتأهل مصر إلى دور الـ16 من كأس العالم 2026، بما في ذلك الجمهور الأردني، الذي فرح لمصر، ويعتبر أن تأهل أي فريق عربي هو تأهل للأردن، وتعويض مباشر للأردن الذي لم يحالفه الحظ.
في قصة مصر وفلسطين، نقرأ الكثير من الاستخلاصات، وتحديدا الجانب الذي يخص قطاع غزة ومصر، وهو جانب يأخذنا إلى الشك السائد بعروبتنا واعتقاد أغلبنا أننا نكره بعضنا البعض، وأننا مجرد بقايا أمّة متناحرة، لكن هناك أدلة كثيرة تثبت أن الرابط ما يزال قائما ونابضا في السياسة والرياضة، برغم كل محاولات طحن هذا الرابط، وتحطيمه بفعل المؤامرات أو السياسات أو التنافر السياسي بين الدول.
نحن جميعا أبناء أمّة واحدة، وبيننا رابط حيّ لا يمكن التقليل من أهميته ودوره في صياغة هويتنا ووجداننا الشعبي والسياسي والوطني.
فلسطين قضيتي وقضية كل عربي شريف.







