اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الطراونة يكتب: عليكم بسحب قانون الضمان؟

{title}
أخبار الأردن -

 

مكرم أحمد الطراونة


قبل أشهر، دخل ملف الضمان الاجتماعي واحدة من أكثر مراحل الجدل حساسية منذ سنوات، فالقضية تتعلق بمنظومة تمس حياة مئات آلاف المشتركين والمتقاعدين، وترتبط بخططهم المستقبلية ومدخراتهم، وأيضا بشعورهم بالأمان الاقتصادي. لذلك، كان من الطبيعي أن يتحول مشروع القانون إلى قضية رأي عام، وأن تتجاوز النقاشات أروقة البرلمان إلى البيوت ومواقع التواصل الاجتماعي والنقابات والقطاعات الاقتصادية.
 

مؤخرا، شهد الملف تطورين مهمين؛ الأول إعادة الدكتور حازم الرحاحلة إلى إدارة المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، والثاني طلب استقالة وزير العمل على خلفية قضية تضارب مصالح. وبغض النظر عن اختلاف طبيعة القرارين، فهل الحكومة مستعدة لإعادة ترتيب إدارة هذا الملف، ومعالجة ما شابه من إشكالات إدارية أو سياسية.
المواطن يطمح في أن تستكمل الحكومة معالجة الأزمة بخطوة ثالثة لا تقل أهمية، وهي سحب مشروع قانون الضمان بصيغته الحالية، وإعادة فتحه أمام حوار وطني هادئ، يمنحه الوقت الكافي للتطوير والتعديل، وصولا إلى قانون يحظى بأوسع قدر ممكن من الثقة والقبول.
قد يبدو هذا الطرح للبعض تراجعا، لكن في الدول التي تنضج فيها عملية صنع القرار، يعد سحب مشروع قانون بعد اتساع الاعتراضات عليه ممارسة طبيعية تعكس احترام الرأي العام، والإيمان بأن جودة التشريع أهم من سرعة الإقرار.
الحكومة دافعت عن مشروع القانون بصفته ضرورة تفرضها الدراسات الاكتوارية التي حذرت من تحديات مستقبلية تهدد استدامة صندوق الضمان، وهذا نقاش مشروع لا يجوز تجاهله، فالحفاظ على الاستدامة المالية لصندوق الضمان مسؤولية وطنية لا تحتمل الشعبوية أو الإنكار.
لكن، في المقابل، لا يمكن أيضا تجاهل حقيقة أن المشروع، بصيغته المطروحة، خسر معركة الثقة الشعبية قبل أن يدخل حيز التنفيذ، وهي نقطة تستحق التوقف عندها، فالقوانين الكبرى تنجح بقدرتها على إقناع المجتمع بأنها عادلة ومتوازنة وتحمي مصالحه. وإذا شعر الناس بأن القانون يهدد استقرارهم الوظيفي أو حقوقهم التقاعدية، فإن أفضل الدراسات الاكتوارية لن تكون كافية لاستعادة الثقة.
تجربة الأشهر الماضية كشفت أن الأزمة تمثلت في إدارة الحوار أيضا، فالنقاش العام ابتعد عن جوهر الإصلاح، وتحول إلى حالة من القلق الشعبي، حتى أصبحت الرسالة التي وصلت إلى المواطنين مختلفة تماما عن تلك التي أرادت الحكومة إيصالها.
إعادة الرحاحلة إلى إدارة المؤسسة يمكن أن تكون بداية مختلفة، فالرجل يعرف المؤسسة من الداخل، وشارك في إعداد مشاريع إصلاحية اعتمدت مبدأ التدرج والحوار، والمنطق يفرض التريث قليلا، وسحب المشروع لإجراء حوار شامل حوله.
سحب المشروع اليوم لا يمكن أن يعني ترك الاستدامة المالية في مهب الخطر، وإنما البحث عن وسائل تحقيقها بأقل تكلفة اجتماعية ممكنة، والانتصار لفكرة أن التشريعات الكبرى ينبغي أن تولد من التوافق، خصوصا أن الجميع متفق على ضرورة حماية صندوق الضمان، وأهمية الحوكمة الرشيدة واستقلالية المؤسسة وتعزيز الرقابة على استثماراتها، كما يتفقون على ضرورة ضمان حقوق المشتركين. الخلاف الحقيقي يكمن في الوسائل والآليات والسرعة التي ينبغي أن تتم بها هذه الإصلاحات.
هذا خلاف يمكن حله بالحوار، فإعادة فتح الملف قد تتيح التركيز على قضايا لا تقل أهمية عن تعديل سن التقاعد أو شروطه، مثل توسيع مظلة الضمان لتشمل مزيدا من العاملين، ومكافحة التهرب التأميني، ودمج أجزاء من الاقتصاد غير المنظم، وتعزيز الحوكمة والشفافية في إدارة أموال المؤسسة، وهي ملفات تسهم أيضا في تعزيز الاستدامة المالية على المدى الطويل.
اليوم، تبدو الفرصة مواتية لإعادة ضبط مسار هذا الملف بالكامل، فالرسائل الإدارية والسياسية وصلت، ويبقى أن تكتمل برسالة تشريعية تقول للمواطنين إن الحكومة لا تتمسك بالنصوص بقدر تمسكها بأن تكون هذه النصوص ذات جودة عالية وتحقق العدالة المنشودة.
حينها فقط، يمكن القول إن المعادلة اكتملت.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية