اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الدرعاوي يكتب: استقالة معللة بالأسباب

{title}
أخبار الأردن -

 

سلامة الدرعاوي


ليست أهمية ما جرى مع وزير العمل في أن رئيس الوزراء طلب منه تقديم استقالته، لكن أن طلب الاستقالة جاء معللاً بالأسباب، في سابقة ترسخ نهجاً جديداً في إدارة المسؤولية السياسية، فبينما يتم إعفاء الوزير بالإرادة الملكية السامية وفق أحكام الدستور، فإن اللافت هذه المرة أن الحكومة أعلنت للرأي العام أسباب طلب الاستقالة وربطته بمبدأ تضارب المصالح، لتنتقل بذلك من نهج الاستقالات الصامتة إلى نهج يقوم على الشفافية وتوضيح أسباب القرارات ذات الصلة بالوظيفة العامة.
 

فالبيان الحكومي لم يكتف بالإعلان عن طلب الاستقالة، لكن أوضح للرأي العام سبب القرار، وربطه صراحةً بمبدأ تضارب المصالح، وهذه الخطوة، وإن بدت إجرائية في ظاهرها، إلا أنها تحمل في مضمونها تحولاً مهماً في ثقافة الإدارة العامة، لأنها تؤسس لقاعدة مفادها أن الشفافية لا تقتصر على القرار، وإنما تشمل أسبابه أيضاً.
قبل أشهر، وتحديداً في 19 كانون الثاني 2026، كتبنا في صحيفة "الغد" مقالاً بعنوان "حكومة بسرعتين"، وأشرنا فيه إلى أن بعض الوزراء باتوا يفكرون في مكاسب ما بعد الوزارة أكثر من انشغالهم بإدارة ملفاتهم اليومية، وقلنا يومها إن رئيس الوزراء، على الأرجح، وصلته التقارير المتعلقة بأداء عدد من الوزراء، لكن المطلوب كان اتخاذ "العملية الجراحية" اللازمة لتصويب المسار وتعزيز الفريق الوزاري.
وجاء في ذلك المقال: "بعضهم يتجه لتحقيق مكاسب لما بعد الوزارة أكثر من التفرغ للعمل اليومي وخدمة الجمهور وتحقيق المصلحة العامة، وأعتقد شخصياً أن الرئيس بات على علم بهذه السلوكيات، لكن لغاية الآن لم يتخذ قراراً لإجراء العملية الجراحية المطلوبة".
واليوم، يبدو أن تلك العملية قد بدأت، ولكن بطريقة مختلفة؛ ليس عبر تغيير الأشخاص فقط، إنما عبر ترسيخ معيار جديد للمساءلة السياسية.
ثم عدنا بعد أيام، في 24 كانون الثاني 2026، لنكتب مقالاً بعنوان "مدونة سلوك الوزراء"، أكدنا فيه أن المدونة ليست نصاً بروتوكولياً يوضع على الرفوف، وإنما وثيقة هدفها حماية القرار العام، ومنع أيّ تعارض بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة، وتعزيز ثقة المواطنين بالحكومة.
وما حدث اليوم يعكس تطبيقاً عملياً لتلك الفلسفة، فطلب الاستقالة لم يأت نتيجة إدانة، ولم يرتبط بوجود جريمة أو مخالفة قانونية، وإنما استند إلى معيار أكثر تقدماً، وهو تجنب أي تضارب محتمل في المصالح قبل أن يتحول إلى مشكلة، وهذا بالضبط ما تقوم عليه أفضل ممارسات الحاكمية الرشيدة في العالم.
إن تضارب المصالح لا يعني بالضرورة ارتكاب جريمة، لكنه قد يبرر اتخاذ إجراء احترازي يحمي نزاهة الوظيفة العامة ويمنع أي احتمال لتغليب المصلحة الخاصة على المصلحة العامة، فالدولة الحديثة لا تنتظر وقوع المخالفة، بل تمنع الظروف التي قد تقود إليها.
ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لما جرى ليست في طلب الاستقالة نفسه، وإنما في تسبيبه، فالإفصاح عن الأسباب يمنح الرأي العام حق المعرفة، ويعزز مبدأ المساءلة، ويغلق الباب أمام الإشاعات والتفسيرات المتضاربة، كما يبعث برسالة واضحة لكل من يتولى مسؤولية عامة بأن معايير النزاهة أصبحت أكثر وضوحاً وأكثر صرامة.
وإذا استمر هذا النهج، فإن الأردن سيكون قد رسّخ عُرفاً إدارياً وسياسياً جديداً، تصبح فيه الاستقالة المعللة بالأسباب جزءاً من منظومة الحاكمية الرشيدة، لا استثناءً عابراً.
ويبقى الأهم أن يستوعب كل مسؤول أن المنصبَ العام ليس مساحة لترتيب المصالح الخاصة أو بناء مستقبل ما بعد الحكومة، إنما تكليف لخدمة الدولة والمواطن، وما حدث اليوم ينبغي أن يكون رسالة واضحة لكل من ينشغل بما بعد المنصب أكثر من انشغاله بالمنصب نفسه، لأن معيار البقاء في المسؤولية لم يعد الإنجاز وحده بقدر سلامة السلوك العام وخلوه من أيّ تضارب في المصالح.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية