خطاطبة يكتب: بين حرية التعبير والإساءة.. أين ينتهي النقد ويبدأ التنمر الإلكتروني؟
محمود خطاطبة
لوحظ في الآونة الأخيرة انتشار ظاهرة «التنمر الإلكتروني» كانتشار النار في الهشيم. هذه الظاهرة التي أصبحت «تسهل» عملية جعل أي شخص، أيًا كانت وظيفته أو مركزه الاجتماعي، هدفًا لحملات من السخرية والإهانة والاتهامات، دون أن يدرك المتنمر حجم الأثر النفسي والاجتماعي الذي قد يتركه على الآخرين.
ذلك كله يساهم بطريقة أو بأخرى في تشويه المجتمع نفسيًا ومعنويًا. وفي الوقت نفسه لا يعني رفض «التنمر الإلكتروني» إلغاء حق الناس في النقد، فالنقد البناء حق مشروع، وضرورة لتطوير الأداء وتصويب الأخطاء.
لكن يبقى هناك فرق واضح بين نقد الفكرة أو الأداء بلغة محترمة، وبين الإساءة إلى الشخص أو السخرية منه أو التحريض عليه، خصوصًا أننا جميعًا نعلم بأن حرية التعبير لا تمنح أحدًا الحق في انتهاك كرامة الآخرين أو التشهير بهم.
المساحة المفتوحة التي توفرها وسائل التواصل الاجتماعي، يفترض بها أن تعزز التواصل الإيجابي، وتتيح للناس التعبير عن آرائهم وأفكارهم، وكذلك مقترحاتهم حول قضية ما، أو التفاعل مع حدث معين في لحظته. لكن للأسف بدأنا نلاحظ أن المنصات الرقمية أصبحت بيئة خصبة لانتشار ظاهرة «التنمر الإلكتروني»، التي باتت تمثل تحديات اجتماعية ونفسية جديدة.
للأسف، لم يعد «التنمر الإلكتروني» مقتصرًا على تعليق ساخر أو كلمة جارحة، بل أصبح ركنًا أساسيًا في حملات تشهير شبه منظمة بالحياة الشخصية للأفراد، ونشر الإشاعات، وإطلاق اتهامات دون أدلة. المشكلة، أن «المتنمر» يغفل أو يتناسى بأن مثل هذه الممارسات تنتشر بسرعة، بسبب سهولة إعادة النشر والمشاركة، بمعنى أن الضرر يصبح أكبر في غضون ساعات قليلة.
من السهل في هذه الأيام تحويل أي شخص إلى هدف لحملة من السخرية والإهانة، أكان لاعبًا أم فنانًا أم إعلاميًا أم حتى شخصًا عاديًا وجد نفسه في دائرة الضوء بسبب موقف عابر. فبمجرد انتشار مقطع فيديو أو صورة أو تصريح، تنهال مئات التعليقات نسبة كبيرة منها تتجاوز حدود النقد إلى الإهانة والتجريح، بل أحيانًا إلى التشكيك في الأخلاق أو الكفاءة أو الانتماء، دون أي مراعاة للحقائق أو المشاعر الإنسانية.
نقطة ثانية في غاية الأهمية، تتمثل في أن كثيرا من «المتنمرين» يختبئون خلف حسابات وهمية، حيث يكتبون كلمات لا يجرؤون على قولها وجهًا لوجه. وتكمن المشكلة في أن هذه الفئة تعتقد أن تعليقًا ساخرًا أو مشاركة صورة مهينة، هي مجرد وسيلة للترفيه أو حصد تفاعل، دون أن يدركوا حجم الأثر النفسي والاجتماعي الذي قد يتركه ذلك على المتنمر عليه.
ويتسبب ذلك في أن يغلق الكثير من الأشخاص حساباتهم والانطواء على أنفسهم بعيدًا عن الناس «العزلة»، جراء ما تعرضوا له من هجوم، على الرغم من أنهم لم يرتكبوا إثمًا عظيمًا يستحق كل هذا القدر من الإساءة.
الخوف الأكبر، أن يمتد تأثير «التنمر الإلكتروني» إلى المجتمع، فعندما تصبح السخرية والإهانة أسلوبًا معتادًا، وتبدأ قيم الاحترام والتسامح بالتراجع، فإن ذلك يخلق بيئة رقمية سلبية تقوم على التشفي وإلغاء الآخر، بعيدًا عن الحوار وتقبل الرأي والرأي الآخر، وبالتالي يصبح المجتمع مشوهًا نفسيًا ومعنويًا، والخوف هو المسيطر الأول والأخير.
وللحد من هذه الظاهرة، يتوجب تكاتف جهود الجميع، ما بين أسرة ومدرسة وجامعات ووسائل إعلام، من أجل نشر ثقافة الحوار والاحترام والمسؤولية الرقمية، وتعزيز الوعي بأن الكلمة المكتوبة قد تترك أثرًا لا يقل قسوة عن الاعتداء المباشر.







