الحديد يكتب: الحرب لم تنته.. ترامب يشتري الوقت
زيدون الحديد
كلما اعتقدت المنطقة أن شبح الحرب بدأ يتراجع، تعود واشنطن لتؤكد أن الخيار العسكري لم يغب يوما عن الطاولة، فما كشفته التسريبات الأخيرة عن مناقشات داخل البيت الأبيض بشأن استئناف الحرب على إيران لا يوحي بأن السلام بات أقرب، بل يكشف أن الدبلوماسية نفسها أصبحت جزءا من لعبة الضغط، وأن الحرب لم تلغ، وإنما أرجئت إلى حين.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بحسب ما نقلته وسائل إعلام أميركية، استمع إلى خيارات عسكرية واسعة قدمها كبار قادته، لكنه اختار في هذه المرحلة منح المفاوضات فرصة جديدة، غير أن هذا القرار لا ينبغي تفسيره على أنه تحول جذري في الموقف الأميركي، فالإدارة الأميركية لا تزال تنظر إلى القوة باعتبارها الورقة الأخيرة إذا أخفقت السياسة في تحقيق أهدافها.
في المقابل، تدرك طهران أن واشنطن لا ترغب في الانزلاق إلى حرب مفتوحة، ليس حبا في السلام، وإنما لأن كلفة المواجهة أصبحت أعلى من أي وقت مضى، فحرب جديدة لن تبقى محصورة بين الولايات المتحدة وإيران، بل قد تمتد سريعا إلى الخليج والعراق وسوريا ولبنان واليمن، وتهدد أمن الملاحة في مضيق هرمز، وتدفع الاقتصاد العالمي إلى موجة جديدة من الاضطرابات.
لهذا السبب، يبدو أن الطرفين يتحركان وفق معادلة دقيقة، فالتصعيد المحسوب يمنع الخصم من الشعور بالانتصار، وتهدئة مؤقتة تمنع الانفجار الكبير، لإنها لعبة حافة الهاوية، حيث يقترب الجميع من النار دون أن يرغب أحد في السقوط داخلها.
لكن المشكلة في هذا النوع من الأزمات أن الحروب لا تبدأ دائما بقرار سياسي واضح، بل قد تندلع بسبب حادث عسكري، أو خطأ في التقدير، أو سوء فهم لرسالة ميدانية، وعندما تتكدس السفن الحربية في الخليج، وتبقى الطائرات في حالة تأهب، وتتحرك الصواريخ على جانبي المواجهة، يصبح الخط الفاصل بين الردع والحرب أرق من أي وقت مضى.
ما يلفت الانتباه أيضا أن واشنطن تتحدث عن منح الدبلوماسية مزيدا من الوقت، بينما تواصل إعداد الخيارات العسكرية، وطهران من جهتها، تؤكد تمسكها بالتفاوض، لكنها في الوقت نفسه ترفض تقديم تنازلات تمس نفوذها أو برنامجها النووي، وبين هذا وذاك يتحول الحوار إلى سباق مع الزمن، لا إلى مسار يضمن الوصول إلى تسوية دائمة.
قد يكون ترامب مقتنعا بأن تأجيل الحرب يمنحه فرصة لتحقيق مكاسب سياسية ودبلوماسية، لكنه يدرك كذلك أن فشل المفاوضات سيعيده إلى النقطة نفسها، وربما في ظروف أكثر تعقيدا، ولذلك فإن ما نشهده اليوم ليس نهاية الأزمة، بل إعادة ترتيب لمراحلها.
الشرق الأوسط يعيش هدنة أكثر مما يعيش سلام، والهدنة بطبيعتها قابلة للانهيار عند أول اختبار حقيقي، لذلك، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت الحرب خيارا مطروحا، بل ما إذا كانت الدبلوماسية قادرة على منعها قبل أن يسبق صوت المدافع صوت المفاوضين.
حتى الآن، يبدو أن ترامب اختار تأجيل المواجهة، لكن التأجيل ليس إلغاء، والوقت الذي يمنح للدبلوماسية قد يكون في الوقت نفسه مهلة أخيرة قبل أن تعود المنطقة إلى دوامة النار من جديد.







