خريسات يكتب: الخامس عربيا.. والنزاهة رأس مال لا ينضب
رامي خريسات
الأردن تصنيفة عالميا ً50 من 100 وفق تقرير مدركات الفساد العالمي لسنة 2025، وفي ذلك تحسن بمقدار نقطة مقارنة بعام 2024، ، ليصل لأول مرة عتبة الـ50 نقطة. وهي الدرجة المتعارف عليها بين الخبراء كمؤشر على بدء الدولة بالاقتراب من معايير النزاهة، و يخرجها من دائرة الدول التي يشيع فيها الفساد.
الأردن طموحه أكبر من أن يقارن نفسه بمن حوله؛ بل يطمح ليتسارع مساره نحو الدول الأعلى تصنيفاً كالدول الإسكندنافية وسنغافورة، أو الإمارات المتصدرة عربياً. وللعلم الأردن يحتل المرتبة الخامسة عربياً، ولا تسبقه سوى أربع دول نفطية، وفي ذلك إنجاز قياسي مقارنة بإمكاناتنا المحدودة.
الاتجاهات الحديثة تغيرت لتحاصر دهاء الفساد الذي لم يعد في شكل مظروف نقدي، بل أصبح منظومة من التشوهات الهيكلية التي تنخر صناعة القرار، في شكل مصالح متشابكة مالية أو نفوذية، أو»أبواب دوارة « ينتقل فيها المسؤول إلى القطاع الخاص محملاً بمعلومات تفوح منها رائحة تعارض المصالح.
الاعتماد أصبح على التوظيف الذكي للتقنيات، والربط الإلكتروني بين الذمم المالية المفصح عنها ومكامن الثروة في حيزها الرقمي، ليتم إطلاق مؤشرات إنذار مبكر (Red Flags) لرصد أي قفزات مالية غير مبررة أو شبهات تواطؤ.
من أهم المستجدات معالجة ما تعاني منه الدول، ألا وهو فجوة التنفيذ، التي تبلغ عمليًا وعلى المستوى العالمي 19 نقطة مئوية. وتُعبر عن الهوة بين جودة التشريعات والتطبيق الفعلي، حيث تكمن المشكلة في غياب الإرادة وضعف أدوات التنفيذ؛ فبهما يمكن تضييق هذه الفجوة إلى حدودها الدنيا، وكلما تضاءلت النسبة كلما كان الأداء أكثر نجاحًا.
في مجال حماية المبلغين عن الفساد وتحفيزهم، لم تعد الأمور تقتصر على الحماية التقليدية من الأذى أو الانتقام الوظيفي، بل قفزت نحو توفير قنوات إبلاغ سرية مشفرة، وتقديم حوافز مادية تتمثل في منح المبلغ نسبةً من المبالغ المستردة، بهدف تشجيع الاسترداد لمبالغ طائلة. وقد أثبتت التجارب العملية أن التحفيز بهذا الأسلوب أسهم في رفع معدلات الاسترداد عالميًا بنسبة 30 %.
وفي مساءلة الشركات؛ وبدلاً من قصر العقوبة على الأفراد الطبيعيين وحدهم، أصبحت الشركات المخالفة تغرم بنسب من إيراداتها السنوية،لا بمبالغ رمزية كما هو الواقع الذي لا يشكل رادعاً. وهناك القوانين الحديثة في العالم التي تلزم الشركات ببناء منظومة امتثال داخلية متكاملة، وإلا فالغرامات ستكون موجعةً.
علماء الاقتصاد والحوكمة يجمعون على أن الفساد يلتهم نحو %5 من الناتج المحلي الإجمالي العالمي سنوياً، وتنزف الدول النامية (%30) من قيمة استثماراتها ومشترياتها الحكومية بسبب الأموال المتلاعب بها، وتتراوح النسبة عالمياً ما بين 8 - 25 % من إجمالي الإنفاق، وهي خسائر معناها فقراء لم تصلهم المعونة، ومستشفيات لم تُبنَ، ومدارس لم تجهز، وطرق لم تمتد.
النزاهة ليست تكلفة بل هي الاستثمار الأعلى عائداً، ونجاحها لم يعد بالردع اللاحق للجريمة، بل بالانتقال للمنع الاستباقي وفق تشريعات تخدم ذلك.







