اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

غنيمات يكتب: هل حان وقت إعادة قراءة المجتمع الأردني؟

{title}
أخبار الأردن -

 

طلال غنيمات

يعد المجتمع الأردني منظومة حية تتغير باستمرار، وتتأثر بالتحولات السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والتكنولوجية. ومن هنا، فإن البنية الاجتماعية الأردنية أضحت بحاجة إلى إعادة دراسة شاملة تعيد فهم التحولات التي طرأت على المجتمع خلال العقدين الأخيرين، بعدما تغيرت أنماط القيم، وتبدلت العلاقات الاجتماعية، وبرزت تحديات لم تكن مألوفة في السابق.

ولعل أخطر ما يكشف الحاجة إلى هذه المراجعة هو اتساع رقعة الظواهر الاجتماعية المقلقة، وفي مقدمتها تنامي بعض أشكال الجريمة، وازدياد انتشار المخدرات، خصوصًا بين فئات عمرية صغيرة، بما فيها طلبة المدارس. فهذه المؤشرات ينظر إليها بوصفها انعكاسًا لتحولات أعمق تمس البناء الثقافي والأسري والتربوي والاقتصادي للمجتمع.

إن انتشار الجريمة يبدأ غالبًا من اختلالات تتراكم داخل البيئة الاجتماعية، خاصةً عندما تتراجع منظومات القيم، وتتسع الفجوة الاقتصادية، ويضعف الشعور بالانتماء، وتتراجع قدرة المؤسسات على احتواء الشباب وتوجيههم. ولذلك، فإن الاقتصار على المعالجة الأمنية، رغم أهميتها، لا يكفي وحده، لأن الأمن يواجه النتائج، بينما يبقى المطلوب معالجة الأسباب التي أنتجت هذه الظواهر.

وفي السياق ذاته، يثير تمدد آفة المخدرات بين طلبة المدارس قلقًا مضاعفًا، لأنها تستهدف الفئة الأكثر حساسية في المجتمع؛ فحين تصبح المدرسة، التي يفترض أن تكون مصنعًا للوعي والمعرفة، ساحة يحاول تجار السموم اختراقها، فإن ذلك يستدعي إعلان حالة استنفار وطني تتجاوز الإجراءات التقليدية، وتؤسس لاستراتيجية وقائية تبدأ قبل وقوع المشكلة، لا بعدها.

لذلك، من البديهي القول إن مكافحة المخدرات أصبحت مسؤولية مجتمع بأكمله. فالأسرة تمثل خط الدفاع الأول، والمدرسة تمثل الحاضنة التربوية، والإعلام يشكل الوعي العام، فيما تتحمل المؤسسات الدينية والثقافية مسؤولية ترسيخ منظومة القيم التي تحصّن الشباب من الانحراف، وتمنحهم القدرة على التمييز بين الحرية والفوضى، وبين التجربة والوقوع في دائرة الإدمان.

وفي المقابل، لا بد من بناء حالة وعي وطني متكاملة، والمقصود هنا ليس الوعي السياسي وحده، وإنما منظومة وعي متكاملة تجمع بين الثقافة والاقتصاد والسياسة والانتماء الوطني، بحيث يدرك المواطن حقوقه وواجباته، ويفهم طبيعة التحديات التي تواجه بلاده، ويشارك في عملية البناء والتنمية بصفته شريكًا لا متلقيًا فقط.

فالوعي الثقافي يحمي المجتمع من التطرف الفكري والانغلاق، ويعزز قيم الحوار وقبول الاختلاف. أما الوعي الاقتصادي، فيرسخ ثقافة الإنتاج والاعتماد على الذات، ويحد من النزعة الاستهلاكية، ويغرس مفاهيم الادخار وريادة الأعمال والعمل المهني. في حين يشكل الوعي السياسي قاعدة أساسية لتعزيز المشاركة المدنية، واحترام القانون، والإيمان بالمؤسسات، بعيدًا عن الشعبوية أو المعلومات المضللة التي تنتشر بسرعة عبر الفضاء الرقمي.

أما الوعي الوطني، فهو الإطار الجامع لكل هذه العناصر؛ لأنه يعيد صياغة العلاقة بين المواطن والدولة على أساس المسؤولية المشتركة، ويجعل حماية المجتمع واستقراره مسؤولية جماعية، لا مهمة مؤسسات رسمية فقط.

ومن هنا، فإن مسؤولية إعادة بناء هذا الوعي تتوزع بين مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع. فوزارة التربية والتعليم مطالبة بإعادة النظر في المناهج والأنشطة المدرسية، إذ يجب أن تركز على بناء الشخصية، وتعزيز التفكير النقدي، وتنمية مهارات الحوار، وترسيخ قيم المواطنة والانتماء.

وفي الوقت نفسه، يقع على عاتق وزارة الشباب دور محوري في استثمار طاقات الشباب، عبر تطوير البرامج الوطنية، وتوسيع مساحة المبادرات التطوعية، ودعم الابتكار، وتحويل مراكز الشباب إلى منصات حقيقية للإبداع وبناء المهارات، بدل أن تبقى مرافق تقليدية محدودة الأثر.

ولا يقل دور مؤسسات المجتمع المدني أهمية عن ذلك، فهي تمثل حلقة الوصل بين الدولة والمجتمع، وتملك القدرة على الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجًا، وتنفيذ برامج توعوية وتنموية تعزز رأس المال الاجتماعي، وتعيد بناء الثقة، وتكرس ثقافة المبادرة والعمل الجماعي.

وفي الجانب التشريعي، فإن السلطة التشريعية مطالبة بمواكبة هذه التحولات عبر تحديث المنظومة القانونية، وسن تشريعات تعزز حماية الأسرة والطفل، وتشدد العقوبات على شبكات ترويج المخدرات، وتدعم برامج الوقاية والتأهيل، إلى جانب مراقبة السياسات الحكومية لضمان فاعلية تنفيذها وتحقيقها للأهداف المنشودة.

غير أن نجاح كل هذه الجهود يبقى مرهونًا بوجود رؤية وطنية متكاملة تنظر إلى المجتمع باعتباره مشروعًا مستمرًا للتنمية الإنسانية، لا مجرد مجموعة من الملفات القطاعية المنفصلة. فالتعليم، والثقافة، والشباب، والإعلام، والاقتصاد، والأمن، جميعها حلقات في منظومة واحدة، وأي خلل في إحداها ينعكس على بقية المنظومة.

وفي النهاية، إذا أردنا أن نقول أن الاردن قوي فعلًا، فعلينا أن نلتفت لقدرتنا على بناء إنسان يمتلك الوعي، ويؤمن بالوطن، ويحترم القانون، ويشارك في التنمية. فحين تُبنى منظومة الوعي على أسس ثقافية واقتصادية وسياسية ووطنية متينة، يصبح المجتمع أكثر تماسكًا، وتتحول التحديات إلى فرص، ويصبح المستقبل امتدادًا طبيعيًا لمجتمع يعرف نفسه، ويدرك إلى أين يريد أن يصل.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية