اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

السودان.. هل تُعيد طهران رسم خارطة نفوذها من بورتسودان؟

{title}
أخبار الأردن -

 

في ديسمبر 2023، كانت طائرة شحن بوينغ 747 تابعة لشركة "قشم فارس إير" الإيرانية تُقلع باتجاه بورتسودان. لم تُلتقط أي صورة للحظة هبوطها، ولم تُنشر أي مشاهد لها عبر منصات التواصل الاجتماعي. تبعت هذه الرحلة ستّ رحلات مماثلة حتى يناير 2024، وثّقتها صور الأقمار الاصطناعية وسجلات تتبّع الرحلات التي لاحقتها وكالة رويترز.

بعد أكثر من عامين على تلك الرحلات الصامتة، في الثالث من مارس 2026، وقف القيادي الإسلامي الناجي عبد الله وسط مقاتليه وأمام عدسات الكاميرات، ليُعلن استعداده إرسال قوات إلى إيران إن اقتضت الحرب ذلك، وأن مصير البلدين "واحد". لم يصدر هذا التصريح من زعيم مطارد في جبال نائية، أو قائد بعيد عن المشهد، بل من أحد الوجوه الإسلامية المنخرطة في العمل العسكري إلى جانب الجيش السوداني، والذي برز اسمه عبر مقاطع مصورة من ساحات القتال وتغطيات إعلامية سودانية ربطته بالعمليات العسكرية في الخرطوم وما حولها.

المشهدان السابقان لا يُثبتان تحالفاً راسخاً، لكنهما يُضيئان على علاقة في طور التشكّل، بدأت بدعم عملياتي صامت ولم تتوقف عند حدود التضامن السياسي المعلن، في محاكاة دقيقة للنمط الذي سبق أن أرست به إيران حضورها في ساحات أخرى قبل أن يتحول إلى نفوذ مكين. ويكشفان أن السودان دخل في مجال رادار طهران، لا بوصفه امتداداً لمحاور قائمة - حتى الآن -، بل محطة يجري اختبار إمكاناتها بهدوء، بعيداً عن المشهد الذي تصنعه التصريحات.

الترابي.. المهندس الأول

في يونيو 1989، وصل عمر البشير إلى السلطة عبر انقلاب عسكري حظي بدعم الحركة الإسلامية السودانية، وكان القيادي الإسلامي حسن الترابي أبرز مهندسي المشروع السياسي والفكري الذي رافق تلك المرحلة.

لم تكن صلات الترابي بإيران وليدة الانقلاب، بل سبقتها سنوات من التفاعل الفكري مع تجربة الثورة الإيرانية التي رأى فيها نموذجاً لحركة إسلامية قادرة على تحويل الأيديولوجيا إلى مشروع دولة. ورغم اختلاف المرجعيات المذهبية بين الطرفين، ركّز الترابي على فكرة التقارب بين الحركات الإسلامية السنية والشيعية ضمن إطار أوسع يقوم على مواجهة النفوذ الغربي والأنظمة الإقليمية المنافسة.

حين أمسكت الحركة بمفاصل الدولة، تحوّلت هذه القناعة إلى سياسة، حيث أُدمجت شبكاتها في أجهزة الأمن والجيش، ووفّر السودان لإيران ما عجزت عن إيجاده في مكان آخر؛ شرعيةً إسلامية سنية تربطها بدولة إفريقية تتشارك حدودها مع سبع دول. وتجلّى ذلك في مؤتمر الخرطوم الشعبي العربي الإسلامي الذي جمع تحت سقف واحد ممثلين عن حماس وحزب الله والحرس الثوري، في مشهد أحال الخرطوم إلى عقدة ربط بين تيارات لم يسبق أن التقت في مكان واحد.

ولم تبقَ هذه التحالفات في إطار العلاقات السياسية فقط، بل انعكست على الأرض عبر حضور أمني وعسكري متزايد؛ إذ تلقّت قوات الدفاع الشعبي السودانية تدريباً بإشراف فيلق القدس بقيادة قاسم سليماني، فيما تحوّلت الخرطوم إلى محطة لفاعلين عابرين للحدود، من استضافة أسامة بن لادن بين عامَي 1991 و1996 إلى نشاط عناصر مرتبطة بحماس وحزب الله داخل السودان، بحسب ما وثّقه تقرير صادر عن مركز "هورن ريفيو".

لكن هذا الحضور ترنّح أمام معاول العقوبات في منتصف التسعينيات، ثم تراجع مع سقوط نظام البشير عام 2019، دون أن يفضي ذلك إلى تفكك البنية التي ترسّخت خلال تلك المرحلة. فقد بقيت الكوادر داخل مفاصل الدولة؛ تبدّلت اللافتات فوق الأبواب، لكن المفاتيح بقيت في أقفالها. ودخل نفوذها في حالة كمون حتى قدحت حرب 2023 شرارة استعادته، حين اقتنصت طهران فرصة التشظّي الداخلي لإعادة ترسيخ موقعٍ فقدته منذ عام 2016، بعد أن كان السودان قد قطع علاقاته معها تحت ضغط خليجي.

العودة من بوابة الحرب

بعد خمسة أشهر من اندلاع الحرب السودانية، مثّل إعلان رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان في أكتوبر 2023 استئناف العلاقات مع إيران نقطة تحوّل في مسار التحالفات الخارجية للجيش السوداني. فالتقارير التي استندت إلى سجلات تتبّع الرحلات وصور الأقمار الاصطناعية أشارت إلى وصول طائرات تابعة لشركة قشم فارس إير إلى بورتسودان خلال ديسمبر 2023 ويناير 2024، وسط مؤشرات على نقل معدات عسكرية، بينها مسيّرات من طرازَي مهاجر-6 وأبابيل-3، كما عزّز رصد مسيّرة مهاجر-6 في قاعدة وادي سيدنا العسكرية الشكوك حول طبيعة الدعم الإيراني للجيش السوداني. وهو ما دفع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والعربية، إلى اعتبار هذا الدعم "المصدر الرئيسي لقلق الولايات المتحدة من الجيش السوداني"، مؤكداً أن الحرس الثوري الإيراني درّب عناصر مرتبطة بالحركة الإسلامية ودعمها.

ذلك أن الحرب شكّلت أيضاً بيئة لإعادة بعث الفصائل الإسلامية المسلحة وعلى رأسها لواء البراء بن مالك، الذي تحوّل من كيان هامشي إلى لاعب عسكري حاضر في جبهات متعددة، مستفيداً من حاجة الجيش إلى قوات مساندة في مواجهة قوات الدعم السريع.

لكن إيران التي عادت ليست إيران التسعينيات، بحسب ما يصفها مراقبون تحدثت إليهم "نقطة". فطهران تعلّمت من لبنان إلى العراق واليمن، أن النفوذ لا يحتاج إلى اتفاقيات رسمية صاخبة، بل إلى بناء شبكات من المصالح على ثغور الانقسامات الداخلية بهدوء.

البحر الأحمر.. الجائزة الكبرى

وقد وجد هذا المنطق ترجمته الأوضح على ساحل البحر الأحمر، حيث حملت إيران طموحاً يتجاوز السلاح والتدريب، وهنا يمكن فهم العرض الإيراني على البرهان بإنشاء قاعدة بحرية عسكرية دائمة على ساحل البحر الأحمر بوصفه محاولة للانتقال من تعاون ظرفي إلى حضور استراتيجي طويل الأمد. وحين رفض البرهان هذا الطلب، خفّضت طهران سقف طموحها إلى إنشاء ميناء "تجاري–عسكري" مزدوج الغاية، لكنه اصطدم أيضاً بالرفض، مدفوعاً بحسابات ردود فعل السعودية ومصر والدول الغربية، التي بدت أثقل من مكاسب الانفتاح على إيران.

غير أن تقبّل طهران لهذا الرفض يكشف طبيعة مقاربتها في السودان؛ فالبرهان في حساباتها ليس حليفاً أيديولوجياً يُبنى عليه، بل شريكاً تكتيكياً تبني معه ما يمكن بناؤه الآن، وتُبقي الباب موارباً لما لا يمكن اقتناصه بعد.

من جانبه، يبدو البرهان، بحسب خبراء في الشأن السوداني، وكأنه يحاول إدارة توازن دقيق بين مسارين متناقضين؛ يوظّف الورقة الإيرانية للضغط على خصومه الإقليميين لدفعهم إلى دعم شروطه في أي اتفاق لوقف إطلاق النار، من دون أن يتحول ذلك إلى اصطفاف كامل مع طهران، فهو يحتاج السلاح الإيراني ليستمر في الحرب، ويحتاج الرياض وواشنطن ليستمر في الحكم، وهذا التوازن لا يحتمل قاعدة بحرية إيرانية على ساحله.

غير أن ما يتجاوز حسابات البرهان، هو الجغرافيا ذاتها، حيث يمتلك السودان ساحلاً على البحر الأحمر يمتد قرابة سبعمائة كيلومتر، على الضفة الأفريقية المقابلة تماماً لليمن الذي تسيطر عليه قوات الحوثيين. ومن يملك الوصول إلى الضفتين يستحوذ على ممر تمر عبره نحو 15% من التجارة البحرية العالمية.

والتجربة الحوثية هي المفتاح لاستيعاب هذا المكسب. فنجاح إيران في بناء قوة على الضفة اليمنية مكّنها من تهديد الملاحة وتحويل مسارات الشحن العالمي، وهو النموذج الذي تسعى طهران إلى تكراره على الضفة الأفريقية المقابلة. السيطرة على الضفتين معاً لتغدو كماشة حول أحد أكثر المعابر البحرية حساسية في العالم.

حدود الأدوات الأمريكية

في ظل التسلل الإيراني إلى الساحة السودانية ونشاطها مع الإسلاميين، فرضت الولايات المتحدة سلسلة عقوبات على لواء البراء بن مالك تبعها الإعلان عن تصنيف الإخوان المسلمين السودانيين "كياناً إرهابياً عالمياً"، بسبب العلاقة المتنامية مع الحرس الثوري الإيراني، بحسب وزارة الخارجية الأمريكية.

على ضوء ذلك، وعقب لقائه بمسعد بولس في سويسرا، أصدر البرهان مراسيم أحال فيها عدداً من الجنرالات المحسوبين على التيار الإسلامي إلى التقاعد، فيما اعتُقل الناجي عبد الله لاحقاً على خلفية تصريحاته. لكن محللين وصفوا الخطوتين بأنهما "إعادة تموضع سياسي" لا قطيعة حقيقية، إذ لا تزال شبكات الإسلاميين متغلغلة في وزارتَي الخارجية والعدل وفق تقرير لمؤسسة "ميمري" الأمريكية.

وتأتي هذه التحركات في سياق أوسع من إعادة تشكيل موازين القوى داخل السودان، حيث تتقاطع الحسابات الداخلية مع تنافس إقليمي ودولي متصاعد على النفوذ. فالعقوبات والإجراءات السياسية لا تُفهم بوصفها أحداثاً منفصلة، بل كجزء من محاولة لإعادة ضبط البيئة الداخلية، في لحظة تعيد فيها الحرب فتح المجال أمام إعادة توزيع مراكز التأثير.

في سياق موازٍ، يرتبط ما يجري داخل السودان بطبيعة الاشتباك المستمر بين إيران والولايات المتحدة، حيث يُعاد توزيع النفوذ بين ساحات متعددة وفقاً لتغير أولويات المواجهة. ومع أي تراجع في حدة هذا الصراع، قد تعيد طهران دفة اهتمامها نحو الساحات الأقل كلفة والأكثر قابلية للتفعيل، وهو ما يطرح تساؤلاً حول احتمال أن يكون السودان ضمن وجهاتها في مرحلة ما بعد المواجهة مع واشنطن.

ما بعد المدافع.. ما قبل النفوذ

ما يشهده السودان اليوم ليس مساراً مكتملاً، بل ورشة مفتوحة تعمل تحت نيران الحرب. شبكات قديمة تستعيد نشاطها، وأخرى تتشكّل تحت ضغط الفوضى، في بيئة يصعب فيها رسم حدود واضحة بين الحليف والأداة.

وإيران لا تبحث عن دولة مستقرة تبني فيها نفوذها، بل عن دولة مفتتة تتسلل من شقوقها. والسودان بهشاشته وتعدد مراكز قوته وساحله على البحر الأحمر لا يمثّل عائقاً أمام هذا المشروع، بل بيئته المثالية.

والسؤال الأهم ليس عمّا يجري اليوم، بل عمّا يأتي حين تتوقف المدافع وتنصرف العواصم إلى ترتيب "اليوم التالي"، فإيران كما يظهره تاريخها من بيروت إلى بغداد وصنعاء لا تغادر. هي تُثبّت فيها ما أرسته بهدوء، فيما تواصل الطائرات التي لا يُصوّرها أحد أداء مهامها في العتمة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية