الخيطان يكتب: إسرائيل وهوس الحدود الشرقية
فهد الخيطان
بعد السابع من أكتوبر، أطلق نتنياهو تهديداته الشهيرة بتغيير وجه الشرق الأوسط. كان له ما أراد على أكثر من جبهة، فقد تبدلت المنطقة كثيرا منذ ذلك التاريخ؛ أنظمة سقطت وأخرى تغير وجهها، ومعها غاب قادة كبار، والأهم من ذلك، التغيير الذي أصاب الحدود والجغرافيا على جبهات عدة. هذا ليس كافيا على ما يبدو بالنسبة لنتنياهو، فقد خسر معركته الكبرى مع إيران، بعد فشل خطط إسقاط حكم المرشد، وأظنه لن يتراجع عن المحاولة.
لكن ما لم يعد به نتنياهو أو يأتي على ذكره حدث أيضا بعد السابع من أكتوبر. إسرائيل؛ دولة ومجتمع، أصبحت تعيش في حالة قلق وجودي، يتبدى في شعور دائم ومبالغ فيه بخطر يحيق بها من كل الاتجاهات.
تنظر لحربها على لبنان من زاوية هذا الخطر، واحتلالها لأراضي سورية بوصفها جبهة لهجوم محتمل من مليشيات معادية. وإصرارها على ابتلاع ثلثي قطاع غزة، يعكس في أحد جوانبه حالة هستيرية سادت بعد ذلك اليوم قبل ثلاث سنوات.
جديد القلق وحالة الهوس بخطر الحدود وسيناريو يحاكي هجوم السابع من أكتوبر، وتصنيف إسرائيل لحدودها مع الأردن كمصدر تهديد محتمل في المستقبل. حدود هى الأطول مع الأراضي الفلسطينية المحتلة.
رغم علم إسرائيل التام بأن الأردن دولة مستقرة، تمسك فيها المؤسسة العسكرية والأمنية بمسؤوليتها وتقوم بواجباتها في حماية حدودها، دفاعا عن مصلحة أردنية خالصة، إلا أن أوساطا في حكومة نتنياهو ومؤسساتها الأمنية، لا تكف عن النظر لحدودها الشرقية بكثير من الريبة والشك والخوف.
لقد شرعت حكومة نتنياهو ببناء جدار أمني على طول هذه الحدود. كانت خطط المشروع مطروحة قبل الأحداث الأخيرة في غزة، لكنها تسارعت من بعد، ورصدت لهذه الغاية المخصصات المالية اللازمة، وعززت من قدراتها العسكرية بفرقة عسكرية تأسست حديثا لحراسة الحدود مع الأردن.
الثغرات الأمنية موجودة بالفعل على الحدود، ومنها يتسلل المهربون للسلاح والمخدرات، وعلى الدوام تضبط قوات حرس الحدود الأردنية محاولات تسلل لحملة جنسيات أجنبية يسعون لدخول إسرائيل لغايات العمل والإقامة.
ومؤخرا دخلت الأوساط الأمنية والسياسية الإسرائيلية في سجال طويل بعد تصريحات لرئيس جهاز الشاباك، حذر فيها من سيناريو لهجوم على مدينة إيلات من طرف الحوثيين، على غرار ما حصل في قطاع غزة. ويظهر من هذا النقاش مدى القلق الذي تعيشه تلك الأوساط، بالنظر لموقع المدينة الجغرافي وعزلتها عن عمقها الداخلي. وكان لحادث روتيني لدراجة مائية قرب ساحلها أن يفجر حالة النقاش عن الخطر الداهم على إيلات، ويدعم ما قدمه مدير الشاباك من سيناريو خيالي.
القوة العسكرية الكبيرة لإسرائيل وتفوقها الجوي والاستخباري، وما حققته في حروبها من دمار في محيطها، لا يبدو كافيا لجعلها تشعر بالأمان والاستقرار. لقد تحولت إلى كيان يلاحق هواجسه ويعيش وسط حالة خوف وتأهب دائمتين.
القوة لم تمنحها الشعور بالبقاء المديد. والمزيد من الجدران على الحدود واحتلال أراضي الآخرين، وقتل الفلسطينيين يوميا، لن يمنح إسرائيل إلا المزيد من الخوف على المستقبل.
لم تكن غزة مرشحة أبدا لقلب المعادلة في إسرائيل والمنطقة، فكيف يمكن التنبؤ بمصدر التهديد في منطقة تحولت كلها لساحة حرب إسرائيلية؟







