العايدي يكتب: الوعي بالتاريخ (2): آل البيت بين المرجعية والمذهبية
د.محمد صبحي العايدي
ليست الشخصيات الكبرى مجرد أسماء في الذاكرة، بل هي عقد معرفية وأخلاقية تتشكل حولها طريقة الأمة في فهم نفسها، وتاريخها ومصادرها وقيمها، ومن بين أكثر هذه العقد حساسية وتعقيداً في الوعي الإسلامي: موقع «آل البيت» في بنية المرجعية الدينية والتاريخية، فالسؤال هنا ليس: هل نحب آل البيت أو لا؟ لأن المسلمين قد أجمعوا على وجوب تعظيمهم ومحبتهم، باعتبار أنهم من مقتضيات الإيمان، وتمام الوفاء لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإنما السؤال الأعمق: كيف نقرأ حضورهم؟ هل نقرأه بوصفه مرجعية جامعة للأمة، أم بوصفه أساساً لهوية مذهبية مغلقة؟
إن موقع «آل البيت « في الوعي الإسلامي لم يكن يوماً موقعاً هامشياً، بل كان جزءاً من البنية الدينية والمعرفية للمذاهب الإسلامية كلها، فالمرجعية في معناها العلمي ليست ملكية فردية لفئة، ولا احتكاراً معرفياً لجماعة، وإنما هي الأصل الذي تستمد منه القيم والمعايير والمنهجيات، وبهذا المعنى فإن القول بمرجعية «آل البيت» لا يعني تحويلهم إلى بديل عن الأمة، أو أنهم مصدر مستقل للتشريع، أو بديلاً عن الوحي، ولا مركز عصمة مغلق، بل يعني اعتبارهم جزءاً من الامتداد العلمي والأخلاقي الذي جسد فهم الوحي وتطبيقه في العلم والسلوك والاجتهاد.
ومن هنا يظهر الفرق بين المرجعية والمذهبية، فالمرجعية أفق مفتوح للفهم، يستوعب الأمة كلها ويعمل داخلها، بينما المذهبية إطار هوياتي يعيد تشكيل التاريخ ليخدم حدود الجماعة، وعندما تتحول المرجعية إلى مذهبية، يقرأ الماضي كله من زاوية واحدة، وتتحول الشخصيات الكبرى إلى رموزاً حصرية، وفي هذه اللحظة يفقد التاريخ طبيعته التعددية، ويصبح أداة لترسيم الحدود والانقسامات، بدل أن يكون مجالاً للفهم المشترك.
وتشير النصوص المؤسسة التي تتحدث عن « آل البيت» إلى هذا بوضوح، فقوله تعالى:» قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى» لا يؤسس لعاطفة لحظية، فالمودة أعمق من المحبة، فهي ليس شعوراً مؤقتاً، بل علاقة ممتدة تترجم إلى احترام ووفاء واقتداء.
وكذلك فإن الحديث النبوي الشريف الذي جمع بين الكتاب والعترة في قوله صلى الله عليه وسلم: « إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وعترتي أهل بيتي» يفهم – في أحد أبعاده - بوصفه تأسيساً لارتباط منهجي بين الوحي، وممثليه الأقربين من جهة الفهم والسلوك، وحضورهم في الوعي الإسلامي، لا باعتبارهم جماعة منفصلة عن الأمة، بل بوصفهم تجسيداً عملياً ومعرفياً.
وقد جسد آل البيت هذه المعاني في مواقفهم العلمية والإصلاحية، فيما فعله الحسين بن علي رضي الله عنهما حيث خرج من مكة إلى العراق في سياق تاريخي معقد، معبراً عن تمسكه بالمبادئ والقيم في مسألة البيعة والخلافة لمستحقيها، ووأد الفتنة التي أشعلها يزيد بتمسكه بالحكم، هذه هي مهمة آل البيت ومواقفهم الثابتة في الملمات ضد أي فتنة وتمرد على الصالح العام للأمة.
هنا يتحول الارتباط بآل البيت من حالة وجدانية إلى التزام قيمي ومعرفي، ينعكس على طريقة الفهم والسلوك، لا على مجرد الشعارات، ففي بعض السياقات التاريخية كالشيعة تحولت المرجعية إلى بنية عصبية مغلقة، ويعاد إنتاج التاريخ بوصفه صراعاً دائماً حول الشرعية، وفي المقابل لم يمنح مفهوم المرجعية عند بعض «أهل السنة» ما يستحقه من التأصيل المعرفي، فظل حضور آل البيت فيها أقرب إلى الاحترام العام منه إلى البناء المعرفي والمنهجي.
وفي سياق آخر ظل الانتماء إلى آل البيت حاضراً في بنى سياسية واجتماعية جامعة، كما هو الحال في الدور التاريخي للهاشمين في الأردن، حيث ارتبط هذا الانتماء بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحة في القدس، بما أسهم في ترسيخ حضورهم في الوجدان الإسلامي العام، دون أن يتحول إلى احتكار مذهبي أو إطار إقصائي.
إن آل البيت ليسوا حدودا فاصلة بين المسلمين، بل هم أهل النبوة، ومعدن الرسالة، وموضع المحبة، والولاء في قلوب المؤمنين، بعيداً عن الغلو الذي يرفعهم فوق منزلتهم، أو الجفاء الذي يحجب الأمة عن نور سيرتهم، ولا يكتمل الوعي الإسلامي إلا بالتعامل معهم كجزء أصيل من وعي الأمة الجامع الذي لا يكتمل بدونهم، لا عنواناً لهوية مغلقة أنتجت تعقيداً تاريخياً في الوعي.







