اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الطراونة يكتب: "صنع في الميدان"

{title}
أخبار الأردن -

 

مكرم أحمد الطراونة


القرارات باتت تصدر من المحافظات، سواء تلك التي تتعلق بالشأن الوطني أو بالمحافظة نفسها، حيث يسبق كل زيارة لرئيس الوزراء لقاءات مع نواب تلك المحافظات، للوقوف على ما تحتاجه مناطقهم، ما يساهم في جعل الزيارات الميدانية مثمرة إلى حد مقبول، بدل أن تكون زيارات ميدانية استعراضية.
 

لقد باتت السياسات تصنع في الميدان، وانطلاقا من الأولويات والحاجات الحقيقية لتلك المناطق، في تحول مهم بفلسفة الإدارة العامة نفسها، والانتقال من الدولة التي تدار من المكاتب والتقارير إلى دولة تستمد أولوياتها من الواقع المباشر. 
هذه النقطة تستحق التوقف عندها مطولا، لأنها تمثل أحد أهم التحولات الممكنة في العلاقة بين المركز والأطراف.
في السابق، كانت الحكومات تتعامل مع المحافظات من خلال تقارير بيروقراطية ترفعها المؤسسات الرسمية، أو من خلال خطط عامة قد لا تعكس بدقة ما يحتاجه الناس فعلا. أما حين يسبق الزيارةَ لقاءٌ مع النواب، فإن دائرة المعلومات تتسع بصورة كبيرة، وتصبح الحكومة أمام أكثر من مصدر للمعلومة، وأكثر من زاوية للنظر إلى المشكلة نفسها.
الوزارات تنظر إلى المحافظات من خلال الأرقام والمؤشرات، بينما ينظر النواب إليها من خلال الاحتكاك اليومي بالمواطنين، أما المجتمعات المحلية فتنظر إليها من خلال احتياجاتها المباشرة وتفاصيل حياتها اليومية. ومن هنا تبرز أهمية لقاء رئيس الوزراء بنواب المحافظات قبل الزيارة، فالنواب، وبغض النظر عن تقييم أدائهم، يمثلون في النهاية قناة تحمل إلى الحكومة ما يطرحه الناس في مناطقهم. لذلك فإن اللقاء المسبق يساعد على ترتيب الأولويات قبل الوصول إلى الميدان.
هذه السياسة تعني عمليا الاعتراف بأن الأولويات ليست واحدة في جميع أنحاء البلاد، ولهذا فإن السياسات المركزية الموحدة كثيرا ما تفشل في تحقيق أثر متوازن، لأنها تفترض أن الجميع يواجهون المشكلات نفسها. أما حين تصنع القرارات انطلاقا من خصوصية كل محافظة، فإننا نقترب أكثر من مفهوم "التنمية الموجهة بالمكان"، أي التنمية التي تنطلق من خصائص المكان واحتياجاته الفعلية، لا من تصورات عامة توضع في العاصمة.
ويمكن الذهاب أبعد من ذلك بالقول إن هذه السياسة تمثل شكلا من أشكال اللامركزية العملية حتى لو لم تكن لامركزية قانونية كاملة، فالمركزية قد تتجاوز مفهوم نقل الصلاحيات، لتتشكل من خلال نقل عملية التفكير وصنع الأولويات إلى مستويات أقرب للمواطن. 
غير أن نجاح هذا النهج يتوقف على شروط عديدة، أهمها عدم تحول الزيارات إلى استجابة للمطالب الآنية فقط، فالمواطن بطبيعته يطالب بحل مشكلاته المباشرة، لكن وظيفة الحكومة التفكير بالمستقبل، لذلك يجب أن تجمع الزيارات بين حل المشكلات العاجلة ورسم مسارات تنموية طويلة الأمد.
كما لا بد من إشراك أطراف أخرى إلى جانب النواب، فرغم أن النواب يمثلون زاوية مهمّة، لكنهم ليسوا الزاوية الوحيدة، ويمكن توسيع دائرة المشاورات لتشمل البلديات، وغرف الصناعة والتجارة، والنقابات المهنية، والجامعات، ومؤسسات المجتمع المدني، والشباب، والنساء، ورواد الأعمال. 
إن أحد أسباب فجوة الثقة بين الحكومة والمواطن، غالبا ما تأتي من شعور المواطن بأن القرارات تتخذ بعيدا عنه، وأن أولوياته لا تصل إلى مراكز القرار. أما عندما يرى أن رئيس الوزراء يستمع مباشرة إلى ممثلي منطقته، ثم يزور الموقع بنفسه، فإن ذلك يبعث رسالة مفادها أن الدولة تحاول أن ترى المشكلات بعين أصحابها لا بعين التقارير فقط.
هذه السياسة تعكس انتقالا من إدارة الدولة عبر "التقارير" إلى إدارتها عبر "المشاهدة المباشرة". إنها خطوة مهمة، خصوصا أنها تقترن بالمتابعة والشفافية وتوسيع المشاركة المجتمعية، فأفضل السياسات تلك التي تنشأ من فهم عميق لحياة الناس واحتياجاتهم الحقيقية، لتترجم إلى خطط قابلة للتنفيذ والمساءلة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية