الدرعاوي يكتب: السيطرة على التضخم
سلامة الدرعاوي
برزت التجربة الأردنية في السيطرة على التضخم كواحدة من أكثر التجارب استقراراً وتوازناً على المستوى الإقليمي، وربما تستحق أن تُقرأ كنموذج في الإدارة الاقتصادية الحذرة خلال فترات الأزمات، فبينما وصل متوسط التضخم العالمي خلال الأعوام الخمسة الماضية 5.2 %، حافظ الأردن على متوسط بلغ 2.2 % فقط، وهو فارق يعكس نجاحاً واضحاً في إدارة السياسة النقدية والاقتصادية.
منذ عام 2021، واجه الاقتصاد العالمي سلسلة من الصدمات المتلاحقة بدأت بتداعيات جائحة كورونا، مروراً باختلال سلاسل التوريد العالمية وارتفاع أسعار الطاقة والشحن، وصولاً إلى الحروب والنزاعات الإقليمية التي انعكست مباشرة على الأسواق الدولية، وخلال هذه الفترة، شهدت اقتصادات كبرى معدلات تضخم تجاوزت 8 و10 بالمائة، واضطرت بنوك مركزية عالمية إلى رفع أسعار الفائدة بصورة متسارعة لمحاولة كبح جماح الأسعار.
في المقابل، استطاع الأردن أن يبقي التضخم ضمن مستويات مقبولة، ففي عام 2022، وهو العام الذي بلغ فيه التضخم العالمي ذروته عند نحو 7.9 %، سجل الأردن 4.23 % فقط، قبل أن يتراجع إلى 2.08 % عام 2023، ثم إلى 1.56 % عام 2024، ويستقر عند 1.77 % خلال عام 2025، وهذه الأرقام تعكس وجود سياسات نقدية ومالية متماسكة نجحت في احتواء الضغوط التضخمية.
ولا يمكن الحديث عن نجاح الأردن في السيطرة على التضخم دون التوقف عند التوجيهات الملكية المستمرة التي أكدت أهمية المحافظة على المخزون الإستراتيجي من السلع الأساسية وتعزيز الأمن الغذائي الوطني وتنويع مصادر التوريد، فقد شكلت هذه الرؤية إطاراً عاماً لعمل الحكومات المتعاقبة، وأسهمت في بناء قدرة وطنية على مواجهة الأزمات دون أن تنعكس بصورة حادة على حياة المواطنين أو على استقرار الأسواق.
كما حافظ البنك المركزي الأردني على نهج متوازن يقوم على حماية استقرار سعر صرف الدينار وتعزيز الثقة بالقطاع المصرفي وإدارة أدوات السياسة النقدية بمرونة وحذر، فاستقرار العملة الوطنية على مدى عقود طويلة شكّل خط الدفاع الأول ضد التضخم المستورد، خصوصاً في اقتصاد يعتمد على استيراد نسبة كبيرة من احتياجاته الأساسية.
كما أن القرارات الاستباقية التي اتخذها البنك المركزي خلال الأزمات المتعاقبة، سواء أثناء جائحة كورونا أو خلال الاضطرابات الإقليمية الأخيرة، ساهمت في الحفاظ على استقرار الأسواق ومنع انتقال الصدمات الخارجية بصورة مباشرة إلى المستهلك الأردني، وفي الوقت نفسه، لعبت الحكومة دوراً مكملاً من خلال ضمان استمرارية تدفق السلع الأساسية وتأمين احتياجات السوق المحلية من الطاقة والمواد الغذائية وعدم السماح بحدوث اختناقات في الإمدادات.
ولعل ما يميز الحالة الأردنية أن السيطرة على التضخم لم تتحقق على حساب توفر السلع أو استقرار الأسواق، فعلى الرغم من تعطل سلاسل التوريد العالمية خلال الجائحة وما تبعها من أزمات، لم تشهد المملكة نقصاً جوهرياً في السلع الأساسية، كما واصلت القطاعات الإنتاجية المحلية، وخاصة الصناعة، أداء دورها في تلبية احتياجات السوق.
اليوم، وبينما ما تزال العديد من الاقتصادات العالمية تواجه ضغوطاً تضخمية مرتفعة، تشير المؤشرات إلى استمرار استقرار الأسعار في الأردن، حيث بلغ معدل التضخم خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 نحو 1.88 % فقط، فيما يتوقع البنك المركزي بقاءه حول مستوى 2 % خلال العام الحالي، وهذه النسبة تعد من المستويات المثالية التي تحقق التوازن بين استقرار الأسعار وتحفيز النشاط الاقتصادي والاستثماري.
التحديات الإقليمية والعالمية ما تزال قائمة، خاصة مع استمرار التوترات الجيوسياسية وتأثيراتها على الطاقة والتجارة الدولية، إلا أن ما تحقق خلال السنوات الماضية يثبت أن الأردن يمتلك القدرة على التعامل مع الصدمات الاقتصادية بكفاءة عالية، والأهم أن تجربة السيطرة على التضخم أكدت أن السياسات النقدية الرشيدة، حين تقترن بإدارة اقتصادية متوازنة ورؤية استباقية، قادرة على حماية الاقتصاد الوطني والحفاظ على القوة الشرائية للمواطنين حتى في أصعب الظروف.







