اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الدرعاوي يكتب: كفاءة فاتورة الدعم وعدالته

{title}
أخبار الأردن -

 

سلامة الدرعاوي


عندما تخصص الحكومة أكثر من مليار دينار للدعم في موازنة عام 2026، فمن حق الجميع أن يسأل: هل يصل هذا الدعم فعلاً إلى مستحقيه؟ وهل تحقق هذه المبالغ الضخمة أهدافها الاقتصادية والاجتماعية؟ أم أننا ما زلنا ندور في الحلقة نفسها التي تدفع فيها الخزينة فاتورة متصاعدة دون أن تضمن وصول الدعم إلى الفئات التي تحتاجه فعلاً؟
 

أرقام قانون الموازنة العامة لعام 2026 تكشف أن إجمالي مخصصات الدعم الحكومي المباشر وغير المباشر يبلغ 1.03 مليار دينار، مقارنة مع 916 مليون دينار في عام 2025، بزيادة مقدارها 114 مليون دينار، أي ما نسبته 12.4 بالمائة. هذه الأرقام تؤكد أن الحكومة ما تزال تتحمل أعباء مالية كبيرة للحفاظ على شبكة الأمان الاجتماعي ودعم الخدمات الأساسية.
ويظهر توزيع الدعم بوضوح حجم الالتزامات التي تتحملها الدولة؛ إذ خصصت 280 مليون دينار للمعونة النقدية من خلال صندوق المعونة الوطنية مقارنة مع 265 مليون دينار في عام 2025، كما ارتفع دعم تنمية وتطوير البلديات من 180 مليون دينار إلى 210 ملايين دينار، فيما زاد دعم أسطوانة الغاز من 63 مليون دينار إلى 80 مليون دينار. كذلك ارتفع دعم الجامعات الأردنية من 75 مليون دينار إلى 80 مليون دينار، وارتفع دعم صندوق دعم الطالب من 30 مليون دينار إلى 35 مليون دينار.
وفي المقابل، خصصت الموازنة 171 مليون دينار لدعم المواد التموينية المتمثلة بالقمح والأعلاف مقارنة مع 180 مليون دينار في العام السابق، كما رصدت 124 مليون دينار لتأمين معالجة مرضى السرطان، بينما بلغت مخصصات المعالجات والإعفاءات الطبية 50 مليون دينار مقارنة مع 123 مليون دينار في عام 2025.
المشكلة الحقيقية ليست في قيمة الدعم، لكن في آلية توزيعه، فالدعم في الأردن ما يزال يصل إلى الجميع تقريباً دون تمييز حقيقي بين مستحق وغير مستحق، إذ ان الغني يستفيد منه كما يستفيد الفقير، والمقتدر يحصل على المنافع نفسها التي يحصل عليها محدود الدخل، في حين إن جزءا من الدعم يذهب إلى غير الأردنيين والمقيمين والوافدين بحكم طبيعة الدعم الشامل للسلع والخدمات، وهنا تكمن الإشكالية الاقتصادية الأساسية؛ إذ لا يمكن الحديث عن كفاءة في الإنفاق العام عندما لا تكون هناك قدرة على تحديد المستفيد الحقيقي من الأموال العامة.
المفارقة أن هذه المخصصات الضخمة تأتي في وقت تواجه فيه المالية العامة ضغوطاً كبيرة، وتعاني فيه الموازنة من عجز مرتفع يتجاوز الـ 2.3 دينار، فيما تستمر الحكومة في تخصيص أكثر من مليار دينار سنوياً للدعم، لذلك فإن النقاش الحقيقي يجب ألا يكون حول زيادة الدعم أو تخفيضه، لكن حول إعادة هيكلته وتوجيهه بصورة أكثر عدالة وكفاءة.
المشكلة الثانية أن الحكومات المتعاقبة لم تنجح في بناء الثقة اللازمة حول برامج الدعم النقدي، فالتجارب التي شهدها الأردنيون في سنوات سابقة لم تكن مريحة للكثيرين، سواء من حيث إجراءات الحصول على الدعم أو آليات صرفه أو استمراريته، كما أن بعض البرامج ارتبطت بإجراءات بيروقراطية طويلة دفعت المواطنين للوقوف في طوابير من أجل مبالغ محدودة، الأمر الذي خلق انطباعاً سلبياً لدى شريحة واسعة من المجتمع حول جدوى هذه البرامج وقدرتها على تعويض آثار رفع الدعم.
لذلك فإن أي إصلاح اقتصادي حقيقي في ملف الدعم يجب أن يبدأ من بناء قاعدة بيانات مالية واجتماعية دقيقة وشاملة، تسمح للحكومة بالتمييز بين المستحق وغير المستحق، وبين الفئات القادرة وغير القادرة، فلا يعقل أن تستمر الخزينة في اعتماد آليات تقديرية أو بيانات غير مكتملة في ملف يستهلك أكثر من مليار دينار سنوياً من المال العام.
كما أن إيصال الدعم يجب أن يتم من خلال منظومة إلكترونية ومصرفية حديثة وسريعة ومرنة، بحيث يصل الدعم مباشرة إلى حساب المستفيد دون معاملات معقدة أو إجراءات مرهقة، والأهم من ذلك أن تكون عملية الدعم مستدامة ومرتبطة بالمؤشرات الاقتصادية الحقيقية، كالتضخم ومستويات الدخل وتكاليف المعيشة، لا أن تكون قرارات مؤقتة تتغير بتغير الحكومات أو الظروف المالية.
الدعم ضرورة اقتصادية واجتماعية لا خلاف عليها، لكن استمرار الدعم الشامل للجميع لم يعد مقبولاً في ظل التحديات المالية الحالية، وباختصار، ليست المشكلة في فاتورة الدعم، لكن في وجهة هذه الفاتورة، وعندما تنجح الحكومة في معرفة من يستحق الدعم فعلاً، عندها فقط يمكن القول إن كل دينار من أموال الخزينة يذهب إلى المكان الصحيح.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية