رسالة من الشرق الأوسط: في اليوم العالمي للاجئين .. أجيال تعيد تجربة النزوح في السودان
لم يكن الوصول إلى مركز إيواء "كرامة" جنوب مدينة الدمازين بولاية النيل الأزرق رحلة عادية، فبعد ساعات من هطول الأمطار، بدا الطريق الترابي المؤدي إلى المخيم أشبه بشريط من الطين تتقدم فيه السيارة ببطء بين الحفر وبرك المياه حتى وصلنا إلى وجهتنا.
وعند أول نظرة إلى المخيم، بدت الخيام وكأنها نبتت من الأرض الرطبة على امتداد البصر، وبين الممرات الضيقة تحرك السكان بحذر فوق الوحل الذي غطى أجزاء واسعة من الموقع، وامتزجت أصوات الأطفال وهم يلاحقون كرة بين الخيام بأصوات النساء المنهمكات في إعداد وجبة المساء، في حين حملت الرياح رائحة الأرض المبتلة بعد المطر.
ومع التجول بين صفوف الخيام الممتدة على أطراف المخيم، بدأ حجم المكان يتكشف تدريجيا، فالمركز ليس مجرد تجمع مؤقت للنازحين، بل يعد واحدا من أكبر المخيمات في ولاية النيل الأزرق، ويضم نحو تسعة آلاف نازح يعيشون في ما بين 1500 و1800 خيمة تنتشر على مساحة واسعة من الأرض المفتوحة.
وفي اليوم العالمي للاجئين، الذي يوافق العشرين من يونيو من كل عام، جئت إلى هذا المخيم بحثا عن قصص النزوح التي تختبئ خلف صفوف الخيام المتشابهة، وبينما كنت أتجول بين الممرات الضيقة، لفت انتباهي رجل مسن يجلس عند مدخل خيمة متواضعة، يتابع في صمت حركة السكان من حوله.
وعندما سألته عن رحلته مع النزوح، قال سليمان صالح، البالغ من العمر (73 عاما) إن الحرب الحالية أعادته إلى تجربة ظن لسنوات طويلة أنها أصبحت جزءا من الماضي، موضحا أنه يعيش اليوم للمرة الثانية مرارة الهروب من منزله بسبب النزاع المسلح.
وبينما كان يستعيد ذكريات تلك السنوات، تحدث عن لجوئه إلى إثيوبيا أواخر ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن ينهض ببطء متجها إلى داخل الخيمة ليعود ممسكا ببطاقة قديمة غطى الاصفرار أطرافها وأكل الزمن بعض حوافها.
وضع البطاقة بين يديه وتأملها طويلا قبل أن يقول "هذه رافقتني منذ اللجوء الأول"، كانت تحمل صورته الشخصية وختم أحد مخيمات اللاجئين في مدينة أصوصا الإثيوبية، إلى جانب بياناته التي سُجلت قبل نحو أربعة عقود.
وقال صالح بصوت خافت، وهو يتأمل البطاقة "استخرجت هذه البطاقة عام 1988 تقريبا، عندما كنت لاجئا في إثيوبيا". صمت قليلا، ثم أضاف "كنت أعتقد أن أصعب ما يمكن أن يواجهه الإنسان هو أن يُجبر على ترك أرضه، لكنني اكتشفت لاحقا أن الأصعب هو أن تخشى أن يتكرر ذلك مع أبنائك وأحفادك".
ولد صالح في قرية صغيرة قرب مدينة قيسان، وهي مدينة تقع في الجزء الجنوبي الشرقي من ولاية النيل الأزرق، على الحدود مباشرة مع إثيوبيا.
واضطر صالح إلى اللجوء إلى إثيوبيا في العام 1988 بسبب الحرب بين القوات الحكومية والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، وهي حركة خاضت حربا طويلة ضد الحكومة السودانية انتهت باتفاق السلام الشامل عام 2005.
وأمضى صالح نحو ثلاث سنوات في أحد مخيمات اللاجئين في مدينة أصوصا الإثيوبية التي تبعد نحو 180 كيلومترا عن الحدود السودانية.
وعاد صالح إلى قريته في العام 1991، ووجد آثار الحرب واضحة في كل مكان، لكن الأرض كانت ما تزال هناك، وبدأ مع آخرين في إعادة بناء ما تهدم، ولاحقا تزوج صالح وأنجب أربعة أبناء وابنة، أكبرهم محمد، الذي يبلغ اليوم (35 عاما)، ولديه ثلاثة أبناء.
وعلى غرار والده كان محمد يعتقد أن الحرب أصبحت جزءا من الماضي، وقال وهو يجلس إلى جوار والده أمام الخيمة "والدي كان يحدثنا كثيرا عن اللجوء والهروب، لكنني لم أتخيل أبدا أنني سأجلس معه بعد أربعين عاما في مخيم جديد نتحدث عن النزوح مرة أخرى".
ومع اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، بدأت المخاوف تتزايد في المنطقة، وفي الأشهر التالية تمددت آثار النزاع إلى مناطق واسعة.
وقال محمد "في البداية حاولنا الاستمرار في حياتنا الطبيعية، لكن الوضع أخذ يتدهور تدريجيا، ومنذ منتصف العام الماضي، بدأ الناس يغادرون القرى المجاورة بسبب اقتراب القتال، ثم أصبحت الطرق أقل أمنا، وارتفعت الأسعار، واختفت الخدمات".
وفي أكتوبر الماضي، جمعت الأسرة بعض ما استطاعت حمله، تركت خلفها المنزل والمزرعة والذكريات، وتوجهت عبر طرق وعرة إلى مخيم لإيواء النازحين قرب الدمازين.
وقال محمد إن قصص اللجوء التي كان يسمعها من والده بدت له وكأنها تنتمي إلى الماضي قبل أن يجد نفسه مضطرا للنزوح مع أسرته.
وأضاف "أن الأسرة كانت تعتمد على الزراعة وتربية الماشية، بينما تواجه اليوم صعوبات في توفير الدخل والغذاء والدواء، مع اعتماد جزئي على المساعدات الإنسانية وفرص عمل مؤقتة وغير منتظمة".
غير بعيد عن الخيمة، ظهر علي، أحد أحفاد سليمان صالح، وعمره نحو ثماني سنوات، عائدا من نقطة توزيع المياه التي تبعد عدة دقائق سيرا على الأقدام عن مكان إقامته، يحمل وعاء بلاستيكيا صغيرا امتلأ بالماء، ويحاول السير بحذر فوق الأرض الموحلة حتى لا ينسكب ما جمعه.
قبل النزوح، كان الحفيد الصغير يقضي صباحاته بين مقاعد الدراسة، أما اليوم فقد أصبحت رحلة المياه واحدة من المهام التي يتعين عليه القيام بها، وعندما سألته عما يفتقده أكثر، خفض رأسه قليلا، وقال "مدرستي".
ومع حلول المساء، بدأت أضواء خافتة تتناثر بين الخيام، واصطف بعض السكان للحصول على المياه، بينما جلس آخرون في حلقات صغيرة يتبادلون أخبار الحرب وأحوال الأقارب.
وقالت فاطمة عبد الرحمن، وهي متطوعة تابعة لجمعية الهلال الأحمر بولاية النيل الأزرق، وتعمل في المخيم منذ أشهر "قصة أسرة سليمان صالح تلخص مأساة آلاف الأسر السودانية، حيث لا يقتصر النزوح على جيل واحد، بل يتكرر داخل الأسرة الواحدة عبر أزمنة مختلفة".
وأضافت "في بعض الخيام نجد الجد الذي عاش تجربة اللجوء قبل عقود، والأب الذي نزح بسبب الحرب الحالية، والأطفال الذين يكبرون اليوم داخل المخيم، وكأن ذاكرة الرحيل تنتقل بينهم جيلا بعد جيل".
غادرت خيمة سليمان صالح واتجهت نحو الطرف الغربي من المخيم، كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، بينما أخذت الحركة تخف تدريجيا بين الخيام، هناك لفتت انتباهي امرأة تجلس أمام خيمتها الصغيرة تراقب المارة بصمت.
كانت عائشة إدريس، البالغة من العمر (58 عاما)، وبينما كان الأطفال يركضون أمامها في ساحة موحلة خلفتها الأمطار الأخيرة، بدأت تستعيد ذكريات رحلة لجوء تعود إلى أكثر من ثلاثين عاما.
وقالت عائشة إنها لجأت إلى إثيوبيا في شبابها بسبب الحرب، قبل أن تعود وتبني حياتها من جديد، لكنها وجدت نفسها بعد اندلاع الحرب الحالية مضطرة إلى النزوح مرة أخرى، وقد تفرقت أسرتها بين مدن سودانية ودول مجاورة، بينما تعيش اليوم في المخيم برفقة إحدى بناتها فقط.
وأضافت وهي تنظر إلى الخيمة الصغيرة التي تقيم فيها "كنت أظن أن أصعب ما في اللجوء هو ترك البيت، لكن الأصعب أن ترى أسرتك تتفرق أمام عينيك ولا تعرف متى ستجتمع مرة أخرى".
وأشارت إلى أن أكثر ما تتمناه اليوم هو أن تنتهي الحرب وأن تتمكن من العودة إلى منزلها، مضيفة "لا أريد شيئا أكثر من أن أرى أسرتي مجتمعة مرة أخرى تحت سقف واحد".
ويمثل فقدان مصدر الرزق أحد أصعب آثار النزوح بالنسبة لكثير من الأسر داخل المخيم، وتقول مريم، ابنة عائشة إدريس، إن أسرتها فقدت مصدر دخلها بعد مغادرة منزلها، وإنها تحاول تعويض ذلك من خلال بيع الشاي والقهوة للنازحين والعاملين في المنطقة.
وتشير مريم إلى أن دخلها اليومي لا يكاد يغطي احتياجات الأسرة الأساسية، في ظل اعتمادهم على مساعدات غذائية محدودة تصل إلى المخيم بين الحين والآخر.
وتعكس قصتا سليمان صالح وعائشة إدريس جانبا من ظاهرة أوسع شهدها السودان على مدى عقود، إذ تعرضت أجيال متعاقبة لموجات من النزوح واللجوء بسبب النزاعات المسلحة.
ووفق منظمة الهجرة الدولية، كان السودان يضم قبل حرب أبريل 2023 نحو 2.8 مليون نازح داخليا، قبل أن ترتفع الأرقام لاحقا إلى ذروتها في أواخر عام 2024، حين قدرت بنحو 16 مليون نازح ولاجئ، من بينهم نحو 12 مليون داخل البلاد و4.3 ملايين في دول الجوار، في واحدة من أكبر أزمات النزوح عالميا.
ومع اقتراب الليل، اختفت ملامح المخيم تدريجيا خلف العتمة، وبقيت أضواء قليلة تتلألأ بين الخيام التي تؤوي آلاف الحكايات المتشابهة.
وبينما يحمل جيل الأجداد ذكريات اللجوء الأول، ويعيش الأبناء والأحفاد تبعات النزوح الحالي، يبقى السؤال الذي يرافق كثيرين داخل هذا المخيم وغيره من مراكز الإيواء في السودان: هل ستكون هذه آخر قصة نزوح ترويها هذه العائلات، أم أن جيلا جديدا سيجد نفسه يوما ما يحمل ذاكرة الرحيل نفسها؟.■







