اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

ملكاوي يكتب: النظر إلى الجهة الأخرى من المشهد

{title}
أخبار الأردن -

 

موفق ملكاوي


خلال الأعوام الأولى من عملنا في مجال الصحافة، كان جيلي حريصا على تلقي كل ما يستطيع من تدريبات يطور بها أدواته في الكتابة، ويعزز بها من مفاهيم الموضوعية وكسر حواجز التحيز التي من الممكن أن تتسرب إلى الكتابة من خلال الموضوع أو زاوية النظر أو غيرها من الأدوات، والتي قد لا ينتبه كثيرون إلى وجودها.
 

أتذكر في نهاية التسعينيات أنني حضرت تدريبا عن التغطية الصحافية، وهو تدريب أزعم أنني استفدت منه كثيرا، ليس من باب التغطية الصحفية والكتابة فحسب، بل تعدى إلى النظر في جميع المسائل التي يمكن مواجهتها خلال الحياة اليومية.
طلب منا المدرب، وهو أسترالي، أنه حين نذهب لتغطية أي حدث ما أن نلم جيدا بالمشهد ككل، فلا نكتفي بمكان وقوع الحدث، إذ علينا أن ننظر إلى الجانب الآخر من الشارع، وأن نرى الموجودين، سواء كانوا متأثرين سلبا، أو مستفيدين من الحادث، أو ربما أفرادا غير مؤثرين، مرة صدفة بالمكان.
أتذكر هذا التدريب بالذات بشكل دائم مؤخرا، وأنا أتابع بشكل يومي ما يجري على مواقع التواصل الاجتماعي، والتحيزات الواضحة التي تحتشد لترسم خريطة الاستقطاب حول أي حدث، وبالتالي تدعم رسم صورة متحيزة لكل ما يحيط بنا من أحداث يومية، من دون أن نترك أي مجال للموضوعية من خلال النظر إلى «الجانب الآخر».
لكن ما يحدث اليوم لا يقتصر على إهمال «الجانب الآخر»، وإنما يتجاوزه إلى إنكار وجوده أصلا. فمعظم النقاشات التي تدور على منصات التواصل الاجتماعي تنطلق من افتراض مسبق بأن الحقيقة مكتملة في جهة واحدة، وأن كل ما عداها كذب أو تضليل أو خيانة أو جهل. أي حدث، مهما كان بسيطا، يتحول إلى معسكرين متقابلين، لا يحاول أي منهما الفهم بقدر ما يحاول إثبات صحة موقفه المسبق.
وسائل التواصل الاجتماعي وفرت بيئة مثالية لهذا النوع من السلوك، فالخوارزميات تدفع باتجاه المحتوى الحاد والصادم والمشحون عاطفيا، وكلما كان الرأي أكثر تطرفا، زادت فرص تداوله وانتشاره. ومع مرور الوقت، يجد الفرد نفسه محاطا بأشخاص يشبهونه في التفكير والتوجهات، فيظن أن العالم كله يرى ما يراه، وأن أي رأي مخالف ليس سوى حالة شاذة أو استثناء عابر، ليصار لإنتاج واقع مشوه من خلال صورة ناقصة أو منحازة تؤثر في مواقفه وأحكامه وقراراته.
خذ أي قضية عامة مطروحة للنقاش؛ سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، ستجد من يركز على الخسائر فقط، ومن يركز على المكاسب فقط. كما ستجد من يروي قصة الضحية، وآخر يروي قصة المستفيد، وثالثا يتحدث عن المبادئ، ورابعا يتحدث عن المصالح. كل طرف يعتقد أنه يمتلك الحقيقة كاملة، بينما الحقيقة في الغالب موزعة بين الجميع.
الميل للنظر من زاوية واحدة ليس جديدا، فالإنسان كائن منحاز بطبعه، ويتأثر بخلفيته الاجتماعية والثقافية والسياسية، لكن الجديد هو حجم التضخيم الذي وفرته التكنولوجيا لهذه الانحيازات. اليوم أصبح بإمكان كل فرد أن يعيش داخل عالمه الخاص، فيقرأ ويشاهد ما يوافقه ويعزز قناعاته، ويتفاعل مع من يشبهونه، حتى تصبح الأفكار المخالفة غريبة وصادمة بالنسبة إليه.
الاستقطاب لا يكتفي بتقسيم الناس حول القضايا الكبرى، لكنه يمتد إلى التفاصيل الصغيرة في الحياة اليومية، والتي يمكن أن تتحول خلال ساعات إلى ساحة مواجهة كاملة. هنا تحديدا تتجلى قيمة الدرس الصحفي القديم، فالوقوف في مكان الحدث لا يكفي لفهمه، وحتى التعاطف، وهو قيمة إنسانية نبيلة، قد يتحول إلى أداة تضليل إذا منعنا من رؤية بقية المشهد.
النظر إلى الجهة الأخرى من الشارع لا يعني التخلي عن القيم أو الوقوف على الحياد في كل القضايا، فهناك قضايا أخلاقية وإنسانية لا يمكن التعامل معها بمنطق التوازن الحسابي البارد، لكنه يعني الاعتراف بأن الواقع أعقد مما نتصور، وأن الحقيقة غالبا ما تكون أكبر من الرواية التي وصلت إلينا أول مرة.
ربما لهذا السبب ما أزال أتذكر ذلك التدريب بعد أكثر من ربع قرن. كان درسا في الحياة نفسها، فالكثير من أخطائنا لا تنبع من سوء النية، وإنما من ضيق زاوية النظر. وكثير من الأحكام التي نصدرها على الآخرين كانت ستبدو مختلفة لو أننا انتقلنا لبضع دقائق إلى الجهة الأخرى من الشارع، ونظرنا إلى المشهد كاملا قبل أن نقرر ما الذي حدث بالفعل.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية