اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

أبو زينة يكتب: الكل ينتصر– إلا العرب..!

{title}
أخبار الأردن -

 

علاء الدين أبو زينة


تتخذ معظم نقاشات «المحللين» الذين يُداخلون في الإعلام حول أحداث الإقليم شكل انقسام عمودي حاد يتكرر بصيغ مختلفة، ليستقر في النهاية على ثنائية واحدة: ثمة مَن يريد إثبات أن أميركا والكيان ينتصران في الحرب، وآخر يريد إظهار كيف أن إيران هي القوة الصاعدة أو المنتصرة. وبين هذين الخطابين، تُختزل المنطقة إلى مسرح صراع بين «البطل ونقيض البطل»، والعرب فيه متفرج ينتظر نهاية الحكاية- ويميل نفسيًا، مثل كل متفرج، إلى تمني انتصار «البطل» الذي يتصوره كذلك.
 

يتجاوز هذا النوع من السرديات وظيفته كخطاب سياسي تعبوي، ليتسلل إلى التحليلات الأكاديمية والإعلامية التي تتعامل مع الشرق الأوسط كساحة صراع بين «مراكز صلبة» و»أطراف رخوة». وبينما يتركز النقاش حول «الهيمنة» و»الردع» و»التوازن الإقليمي» وأشباهها، يغيب سؤال أساسي عن المنطقة: من هو الذي يجري تعريفه كفاعل؟ ومن الذي يُخصص له موقف موضوع الفعل؟
يفترض في «الفاعلية» أن لا تكون خاصية طبيعية معطاة، وإنما نتاج تاريخي وسياسي ومؤسسي. وإذا ما انتهى المطاف بالعرب إلى موقف «اللافاعل» المتفرج، فإن الأجدر من كل شيء هو الشروع في استنطاق الأسباب التي أنتجت هذا الموقف الرديء. وفي الحقيقة، ثمة «فاعلية» عربية مميزة هي استئجار «محللين» و»خبراء» مشروطين بتوجه الجهة التي تستدعيهم، يُصنّعون انتصارًا للعرب في موقف تجنب المواجهة – حتى ولو مع صيغة اللائم الشاكي المتخفف من لوم الذات: هؤلاء ضربونا وقصفونا؛ وهؤلاء ورطونا ولم يحمونا!
يفرض هذا النمط المألوف من بناء المشهد الإقليمي دائمًا على أساس طرفين خارجيين متصارعين، إعادة موضعة المواقف العربية بينهما في شكل اصطفافات وجدانية أو سياسية. ويفرض أيضًا تأجيل السؤال عن موقع الفعل العربي وتهميشه واستبداله بسؤال آخر: «مع من نقف»؟ بدلاً من «ماذا نفعل»؟ ويوشر هذا التقديم للاصطفاف على الفعل المستقل مؤشرًا مهمًا على التراجع في بنية الخطاب السياسي، الذي يعبّر بدوره عن أزمة الموقف العربي ككل.
لا يمكن فصل امتناع المُداخلين العرب عن مساءلة الذات- أو حتى توجيه خطاب مسؤولية متماسك- عن بنية أعمق تتعلق بتاريخ طويل من إعادة تعريف العلاقة بين القوة والشرعية. وعندما يختزل هؤلاء المجال السياسي في ترشيح أي قوة خارجية هي الجديرة بامتلاك الهيمنة، يصبح الخطاب الداخلي في الغالب منتميًا إلى واحد من شكلين: إما خطاب تبريري يفسر العجز بوصفه قدرًا موضوعيًا؛ أو خطاب احتجاجي يشكو من الخارج من دون مجرد الاقتراب من مساءلة– أو حتى توصيف- البنية الداخلية التي جعلت هذا الخارج هو الفاعل الحاسم.
تعني المساءلة– أو حتى التوصيف المركز الملفت- إدخال الذات في معادلة التفسير بدلًا من تعمّد إخراجها منها. لكنّ كثيرًا من الخطابات السائدة تميل إلى توزيع الأدوار بطريقة مريحة معرفيًا: الخارج يفعل، والداخل يتأثر. الخارج يخطط، والداخل يرد. الخارج يهيمن، والداخل يتمنى أو يخيب. وما تفعله هذه الصيغة التفسيرية هي تبسيط الواقع إلى حد كبير، لكنها في الوقت نفسه تعفي الفاعل المحلي من عبء التفكير في مسؤوليته التاريخية والسياسية.
المفارقة أن هذا النمط من الخطاب أنه يرسخ أنماطًا تجعل من الصعب تطوير خطاب عربي قوي ومتماسك عن تحميل المسؤولية، لأن الخطاب نفسه يبدأ من- وينتهي إلى- افتراض أن مراكز الفعل توجد– موضوعيًا وبشكل حتمي- خارج المجال العربي. وعندما يكرر الخطاب العربي المسموح له بأن يعبّر عن نفسه يكرر صورة العجز أو التبعية أو التردد، فإنه يرسخ هذا الواقع بإعادته تعريف موقع الذات العربية في النظام الإقليمي بوصفه ثانويًا كقدر.
في أفضل الأحوال، حين يظهر خطاب نقدي عربي، فإنه غالبًا ما يتجنب تحويل النقد إلى مساءلة للسبب والمسبب. إنه ينتقد النتائج، وإنما من دون المساس بشروط إنتاجها. وهو ينتقد الآخرين، ولكن من دون أن يضع الذات داخل دائرة المسؤولية التاريخية والسياسية. ولا ينفصل هذا الخطاب المتحفظ عن السياق السياسي العام الذي تشكلت فيه الدولة العربية الحديثة، حيث تم في كثير من الحالات فصل المجال السياسي عن المجال الاجتماعي، وتقييد قدرة النقاش العام عن إنتاج سرديات بديلة– أو التعبير عنها. وهو ما جعل الخطاب العام يبرز التفسير الخارجي للأزمات، ويتجنب إبراز التفسيرات على أساس الداخل.
كل هذا جعل الخطاب المحلي خطاب تعليق أو تفسير أو تمنيات بدل أن يكون خطاب مساءلة وتأسيس. وكان الأنفع أن يتيح الموقف العربي المتأزم جدًا الانتقال مِن سؤال مَن ينتصر؟ إلى السؤال عن كيفيات إنتاج مواقع القوة في المقام الأول. ومن منطق الاصطفاف إلى منطق الفعل. ومن تفسير الخارج إلى إشراك الذات في معادلة التفسير بلا تحفظ.
بينما انشغلت النقاشات بتحديد المنتصر في الحرب، فإنها تجنبت الأسئلة الأهم: كيف وصل العرب إلى موقع ينتظرون فيه معرفة المنتصر في الأساس؟ لماذا تستطيع قوى إقليمية أو دولية تهديدهم أو استهداف مصالحهم، بينما يعجزون عن امتلاك قدرة ردع قائمة بذاتها رغم ما ينفقونه من أموال وما يملكونه من موارد؟ وما معنى التحالفات والقواعد العسكرية الأجنبية إذا كانت لا تمنحهم حرية القرار ولا تضمن لهم الحماية عند الاختبار؟
لا يتعلق السؤال الأساسي بانتصار هذا الطرف أو ذاك، وإنما بواقع سياسي جعل العرب عاجزين عن الاصطفاف مع أنفسهم. ويعني رفض مشروع إقليمي أو دولي في حالتهم الانحياز تلقائيًا إلى مشروع إقليمي آخر، وكأن الخيارات المتاحة تنحصر دائمًا بين التبعية لهذه القوة أو تلك. وبينما يتركز الحديث عن الحكمة وضبط النفس والواقعية السياسية في عدم الردّ على الاعتداءات، يجري التهرب من الحديث عن عقود من الارتهان الأمني والإستراتيجي التي أضعفت القدرة على الفعل المستقل وجعلت الدور المقتصر على إدارة تداعيات أفعال الآخرين بدلًا من التعامل مع أساس الأزمة موقفًا يهيل عليه «المحللون» الثناء.
ثمة فكرة في ثقافتنا الشعبية: الذي يُبكيك ويبكي عليك خير من الذي يضحكك ويضحك عليك. وكان ينبغي– الآن كما كان دائمًا- الكف عن خداع الذات وبيع الوهم، والاستماع إلى الأصوات الداعية إلى مواجهة الحقائق الأساسية حول موقف العرب من البداية إلى النهاية، وتقترح الاحتمالات الممكنة والمهملة لخروجهم من الدائرة الملعونة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية