الدرعاوي يكتب: ترتيبات جديدة "للضمان"
سلامة الدرعاوي
من النادر في المشهد الإداري الأردني أن يغادر مسؤول مؤسسة عامة ثم يعود إليها لاحقًا ليتولى الموقع ذاته من جديد، لذلك فإن قرار إعادة الدكتور حازم الرحاحلة مديرًا عامًا لمؤسسة الضمان الاجتماعي للمرة الثانية يحمل في طياته رسائل واضحة تتعلق بمستقبل ملف الضمان الاجتماعي وبالطريقة التي ستدار بها عملية إصلاحه خلال المرحلة المقبلة.
خلال الأشهر الماضية، تحوّل مشروع تعديلات قانون الضمان الاجتماعي إلى واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل، ولم يكن سبب ذلك مرتبطًا فقط بمضمون التعديلات، بقدر ما كان نتيجة سوء إدارة الحوار حولها، فقد دخلت الحكومة ومجلس النواب في نقاشات متشعبة واعتبارات شعبوية ومزايدات سياسية أبعدت النقاش عن جوهر القضية، وهو كيفية ضمان استدامة المؤسسة وحماية حقوق المؤمن عليهم في الوقت ذاته.
النتيجة كانت حالة شبه إجماع على رفض التعديلات المطروحة، ليس لأن فكرة الإصلاح مرفوضة، إنما لأن الرسائل التي وصلت للمواطنين أوحت بأن هناك مساسًا مباشرًا بمكتسبات تأمينية قائمة، وهو أمر شديد الحساسية بالنسبة لأي مشترك ينتظر التقاعد أو يخطط لمستقبله المالي بناءً على حقوق اكتسبها عبر سنوات طويلة من الاشتراك.
هنا تحديدًا تبرز أهمية عودة الرحاحلة، فالرجل ليس طارئًا على المؤسسة ولا على ملف التشريعات التأمينية، فقد كان جزءًا فاعلًا في مسار تطوير قوانين الضمان منذ سنوات طويلة، وشارك في إعداد وصياغة تعديلات رئيسية خلال الأعوام 2009 و2019، كما أشرف على إعداد مشروع إصلاحي متكامل في عام 2022 لم يرَ طريقه إلى الإقرار آنذاك.
الأهم من ذلك أن التجارب السابقة التي شارك فيها لم تشهد مستوى الاعتراض الشعبي أو النيابي الذي رافق المشروع الأخير، والسبب يعود إلى منهجية مختلفة في إدارة الإصلاح، فالفكرة الأساسية التي ميّزت التعديلات السابقة كانت مبدأ "التدرج"، أي عدم المساس بالحقوق التأمينية القريبة الاستحقاق وعدم إحداث صدمات مفاجئة للمشتركين الذين بنوا قراراتهم المالية على تشريعات نافذة.
وهذا المبدأ تحديدًا يبدو اليوم مفتاح أي إصلاح ناجح، فالمشكلة لم تكن في ضرورة الإصلاح بحد ذاتها، إذ لا أحد يجادل في أهمية المحافظة على استدامة مؤسسة بحجم الضمان الاجتماعي، وإنما في طريقة تطبيق الإصلاح وتوقيته وآلية انتقاله بين الأجيال المختلفة من المشتركين.
كما أن التجربة الأخيرة أظهرت أن النقاش العام انحرف بعيدًا عن الأولويات الحقيقية، فقد جرى استنزاف الجهد في سجالات فنية معقدة حول الدراسات الإكتوارية والأرقام والتوقعات، بينما كان من الأجدى التركيز على الملفات الإصلاحية الجوهرية التي تحظى بتوافق واسع، وفي مقدمتها توسيع قاعدة الشمول، ومكافحة التهرب التأميني، وتعزيز الالتزام بالاشتراكات، واستعادة جزء من الاقتصاد غير المنظم إلى المظلة التأمينية.
هذه الملفات هي التي تعزز إيرادات المؤسسة وتحسن استدامتها على المدى الطويل دون الحاجة إلى الاقتراب من حقوق مكتسبة أو إثارة مخاوف مئات الآلاف من المشتركين.
لذلك، فإن عودة الدكتور حازم الرحاحلة تبدو أقرب إلى إعادة ترتيب لملف الضمان الاجتماعي أكثر من كونها تغييرًا إداريًا عاديًا، فالحكومة، على ما يبدو، أدركت أن نجاح أي إصلاح لا يتحقق عبر الصدام مع المواطنين، لكن من خلال الحوار الهادئ، والتدرج المدروس، والحفاظ على الثقة العامة بالمؤسسة، وهي ثقة تشكل في النهاية رأس المال الحقيقي للضمان الاجتماعي، وأي إصلاح لا يبدأ منها يصعب أن يكتب له النجاح.







