اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

ملكاوي يكتب: لماذا تزداد أرقام العنف المجتمعي؟

{title}
أخبار الأردن -

 

موفق ملكاوي


على مدى الأشهر الماضية، شهدنا مستويات كبيرة من العنف المجتمعي، تنوعت أشكالها بين عنف يقع داخل الأسرة نفسها، وجرائم قتل ومشاجرات عنيفة وإطلاق نار وجرائم دهس متعمدة، وصولا إلى سلوكيات عدوانية تتكرر بصورة تدفع إلى التساؤل عما إذا كنا أمام حوادث منفصلة أم ظاهرة اجتماعية آخذة في الاتساع.
 

الوقائع التي تطالعنا كأخبار تتصدر وسائل الإعلام، تمثل إشارات متراكمة يمكن أن تساعدنا في فهم تحولات أعمق تجري داخل المجتمع. العنف لا ينمو بمعزل عن البيئة التي تنتجه، وحين تتكرر الحوادث بوتيرة متقاربة، يصبح من الضروري البحث عن الأسباب الكامنة وراءها، بدلا من الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.
المشكلة أن الدولة تميل غالبا إلى فهرسة هذه الظواهر في الخانة الأمنية وحدها. صحيح أن الأجهزة الأمنية مطالبة بالتعامل مع الجريمة وفرض القانون وحماية المواطنين، لكن المقاربة الأمنية تمثل المرحلة الأخيرة فقط من الظاهرة، أي اللحظة التي يتحول فيها الخلل الاجتماعي إلى فعل عنيف. أما ما يسبق ذلك من أسباب ودوافع وتغيرات عميقة، فهو مجال آخر يحتاج إلى الدراسة والتحليل.
خلال العقدين الأخيرين، شهد المجتمع الأردني تحولات كبيرة ومتسارعة، تغيرت معها أنماط الحياة بصورة لم يشهدها المجتمع في مراحل سابقة. المدن توسعت، بينما فقدت القرى كثيرا من خصائصها التقليدية. وفي الوقت الذي ازدادت فيه الهجرة الداخلية، فإن العلاقات الاجتماعية التي كانت توفر شبكات دعم وتكافل تراجعت لصالح أنماط أكثر فردية. كما لا يجب أن ننسى الثورة الرقمية وأثرها في تغير طبيعة العلاقات الإنسانية ذاتها.
في الوقت نفسه، تعرضت الأسرة لضغوط غير مسبوقة تمثلت في تحديات اقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، إضافة إلى صعوبة الحصول على فرص العمل. كل هذه العوامل فرضت ضغوطا يومية على الأفراد والعائلات.
العنف قد لا يكون منفصلا عن الشعور بالإحباط في كثير من الأحيان، وكثير من الشباب اليوم يواجهون حالة من القلق تجاه المستقبل، في ظل بطالة مرتفعة وفرص عمل محدودة، وصعوبات في تحقيق الاستقلال الاقتصادي وتأسيس حياة مستقرة. وعندما يشعر الفرد بأن جهوده لا تقوده إلى النتائج التي يتوقعها، وأن آفاق التقدم الاجتماعي تضيق أمامه، فإن الإحباط يتحول أحيانا إلى غضب قد يجد طريقه إلى التعبير العنيف.
التحولات الثقافية كذلك، لعبت دورا مهما في هذا السياق، فقد شهدت السنوات الأخيرة تراجعا في تأثير بعض المؤسسات التقليدية التي كانت تؤدي أدوارا تربوية وأخلاقية مهمة، مثل الأسرة الممتدة وبعض مؤسسات التنشئة التعليمية والاجتماعية، مقابل صعود تأثير وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت تشكل مصدرا رئيسيا للمعايير والقيم والنماذج السلوكية لدى كثيرين. وفي فضاء رقمي قائم على الإثارة والاستقطاب والصدام، يصبح العنف أحيانا سلوكا مرئيا ومبررا، ويكافأ بالانتشار والاهتمام.
في الجانب الآخر، هناك البيئة الإقليمية المحيطة التي تعيش حروبا وصراعات وأزمات متلاحقة، فأصبح مشهد العنف جزءا من الحياة اليومية عبر الشاشات، ما أدى إلى نوع من الاعتياد النفسي الذي خفف من حساسية الأفراد تجاه العنف، وجعله أقل غرابة مما كان عليه في السابق.
لكن، أين هي الدراسات التي تحاول فهم هذه الظاهرة؟
من النادر أن نجد أبحاثا وطنية واسعة تتناول العنف المجتمعي بوصفه ظاهرة مركبة تجمع بين الاقتصاد والاجتماع وعلم النفس والثقافة والتربية، وغالبا ما يبقى النقاش أسير الانطباعات العامة أو التفسيرات السريعة التي تركز على حادثة بعينها من دون النظر إلى الصورة الكاملة.
صحيح أن الدولة مطالبة بإنفاذ القانون، لكنها أيضا مطالبة بفهم المجتمع الذي تديره، من أجل إنتاج معرفة دقيقة حول أسباب العنف وأنماطه والفئات الأكثر تعرضا له والعوامل التي تغذيه، ومن دون ذلك ستبقى السياسات العامة تدور في دائرة معالجة النتائج لا الأسباب. 
المطلوب إنشاء قواعد بيانات دقيقة، وإطلاق مسوح وطنية دورية، وتمويل برامج بحثية متخصصة، وربط نتائج الدراسات بصناعة القرار، بحيث تتحول المعرفة إلى سياسات وقائية.
في المقابل، لا يمكن إعفاء الجامعات والمراكز البحثية والأكاديميين من مسؤولياتهم، فقد أصبحوا أقل انخراطا في دراسة التحولات الاجتماعية الكبرى التي يعيشها المجتمع. هؤلاء يملكون الأدوات العلمية اللازمة لفهم هذه الظواهر، وينبغي عليهم الخروج إلى فضاء التأثير العام وصناعة المعرفة التطبيقية بدراسات ميدانية عميقة، وقراءات موضوعية تساعد على فهم ما يجري داخل البيوت والمدارس والجامعات وأماكن العمل.
العنف المجتمعي نتاج تفاعل معقد بين الضغوط الاقتصادية والتحولات الثقافية والتغيرات الاجتماعية والعوامل النفسية،  وما لم تتحول الظاهرة إلى موضوع دائم للبحث والدراسة والنقاش العام، فإننا سنبقى منشغلين بملاحقة مظاهرها المتجددة، فيما تستمر أسبابها الحقيقية في النمو بعيدا عن الأنظار.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية