العثامنة يكتب: أوروبا التي اكتشفت ضعفها متأخرة
مالك العثامنة
لا تبدو أوروبا بحاجة إلى عدو خارجي كي يفسر لها كل ما وصلت إليه من ضعف ووهن لا يليق بسمعتها، فقد تكفلت الحرب الأوكرانية فقط بكشف ما كان مؤجلاً تحت السطح: قارة ثرية، متقدمة، متحضرة، لكنها تعيش منذ زمن طويل على معادلة غريبة، اقتصاد ضخم تشغله طاقة مستوردة، ورفاه اجتماعي واسع بمظلة أمنية أميركية، وقرار سياسي متخم بالبيانات ويقل فيه القرار والحسم.
لهذا لم تكن الأزمة الأوروبية نتيجة الحرب وحدها، فعلى الرغم من أن الحرب رفعت كلفة الطاقة، وقطعت طريق الغاز الروسي الرخيص، ودفعت أوروبا إلى شراء الغاز الأميركي المسال بأسعار أعلى، لكنها لم تخلق الضعف الأوروبي من العدم، بل كشفت هشاشة كانت موجودة أصلاً، فالقارة التي اعتادت أن تشتري أمنها من واشنطن، وطاقتها من موسكو، وأسواقها من الصين، اكتشفت فجأة أن العالم لم يعد كريماً بما يكفي ليستمر في خدمة رفاهها القديم.
المشكلة أن أوروبا صدقت طويلاً أنها تستطيع أن تكون قوة ناعمة إلى الأبد، وأن التاريخ انتهى فعلاً عند حدود السوق المشتركة وحقوق الإنسان "حد المبالغة بالأحكام" والتنظيم البيروقراطي الأنيق، لكن العالم خارج بروكسل لم يكن يسير بالوتيرة نفسها، روسيا عادت إلى الجغرافيا الخشنة، الصين تتفوق بمنطق الصناعة والتكنولوجيا والدولة الصلبة، والولايات المتحدة بقيت تمسك بمفاتيح الأمن والطاقة والابتكار، بينما كانت أوروبا تغرق في بطء القرار، وتشتت المصالح، وثقل البيروقراطية.
حتى تقرير ماريو دراغي الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي ورئيس وزراء إيطاليا الأسبق، والذي صدر عن الاتحاد الأوروبي نفسه في أيلول 2024 تحت عنوان "مستقبل التنافسية الأوروبية" لم يقل إن القارة صارت ضعيفة بسبب واشنطن فقط، بل قال ما هو أقسى من ناحية أن أوروبا تتأخر لأنها لا تستثمر كفاية في التكنولوجيا، ولا تملك سوقاً مالية موحدة قادرة على تحويل مدخراتها الهائلة إلى قوة إنتاجية، كما وتعاني- حسب دراغي- فجوة إنتاجية مع الولايات المتحدة، مما يجعلها تدفع ثمناً أعلى للطاقة، لتواجه عبئاً تنظيمياً يقتل السرعة قبل أن يقتل الفكرة.
بلا شك أن واشنطن استفادت من الأزمة، فباعت الغاز، ووسعت سوق السلاح، وأعادت بلهجة عنيفة تذكير الأوروبيين بأن حلف الأطلسي ليس جمعية خيرية، لكن ذلك لا يعني أن واشنطن صنعت كل شيء لإضعاف القارة واتحادها، لكن الحقيقة في العمق أن أوروبا سمحت لنفسها بأن تصبح قابلة للابتزاز، لأنها بنت قوتها الاقتصادية على افتراض أن الطاقة ستبقى رخيصة، وأن الدفاع سيبقى مؤجلاً، وأن الصين ستبقى سوقاً لا منافساً، وأن أميركا ستظل حارساً دائماً بلا ثمن سياسي.
الأزمة إذن ليست في أن أوروبا أُضعفت من الخارج، بل في أنها- طوال توهجها– لم تبن داخلها ما يحمي قوتها من الخارج، وحين جاءت الحرب لم تسقط أوروبا، لكنها رأت صورتها الحقيقية في المرآة، عملاق اقتصادي جميل، لكنه بقلب أمني مستأجر، وقدم صناعية متعبة، ورأس سياسي لا يزال يفضل النقاش الطويل على القرار الصعب.
ربما يكون الدرس الأوروبي مهماً لنا أيضاً، فالدول لا تضعف يوم تأتيها الأزمة، بل يوم تطمئن أكثر مما ينبغي إلى أدوات قديمة، وتحسب أن الرفاه يغني عن القوة، وأن الخطاب يعوض الإنتاج، وأن الحلفاء يعوضون القدرة الذاتية، ثم يأتي حدث واحد، حرب أو وباء أو أزمة طاقة، فيكشف أن ما كان يبدو استقراراً لم يكن إلا تأجيلاً أنيقاً للحقيقة.







