اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الرنتاوي يكتب: بين "عدوان الضاحية" وإعلان الاتفاق...قصة 10 ساعات قلبت السحر على الساحر

{title}
أخبار الأردن -

 

كتب: عريب الرنتاوي، مستشار ومؤسس مركز القدس للدراسات السياسية.

15حزيران/يونيو 2026

عند انتصاف ليلة الأمس (الأحد على الاثنين)، كنّا، الدكتور وسيم بزي وأنا، في ضيافة الأستاذ عبد الرحمن عز الدين على شاشة الميادين، للحديث عن "الضربة الإيرانية" الوشيكة لتل أبيب، رداً على استهداف إسرائيل للضاحية الجنوبية...كنا في مناخات جولة حربية جديدة مثلثة الأطراف (إيران، حزب الله وإسرائيل)، قد تتحول رباعية إن قررت واشنطن كدأبها، الانتصار لحليفتها وربيبتها، حتى أنني لم استبعد أن تبدأ "العواجل" بالظهور على الشاشة، فيما نحن على الهواء مباشرة، تتحدث عن بدء القصف الصاروخي الإيراني لإسرائيل، أو بعد انتهاء البرنامج بقليل على أبعد تقدير.

كان تركيز ثلاثتنا منصبّاً على الإجابة عن سؤال يقرع أذهاننا، وأذهان الملايين في العالم: هل سنكون أمام سيناريو "جولة محدودة" أم الانجراف إلى "حربٍ واسعة"، وما مصير "مذكرة التفاهمات" التي قيل إنها أنجزت بين الجانبين، أو تكاد؟

"العواجل" بدأت تنهمر بالفعل، ولكنها جاءت محمّلة بأنباء مغايرة تماماً، بدأ الأمر بتغريدة لرئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، تبشر العالم بالوصول "رسمياً" إلى مواقفة الطرفين على المذكرة، وقرارهما المشترك التوجه إلى جنيف للتوقيع عليها، وجاهياً، وليس الكترونياً كما كان مقرراً، والجمعة القادم بدل الأحد الماضي، كما خطط ترامب واشتهى، علّه يحصل من إيران على "هدية عيد ميلاده الثمانين"، مؤكداً للمرة الألف، نرجسيته المرضية، وانفصامه الآيل إلى "متلازمة"، واغترابه التام عن الواقع.

لغة غير معهودة

ما كان لفتني في ردود أفعال الإيرانية على الغارة الإسرائيلية الغادرة على ضاحية بيروت الجنوبية، وزاد من يقيني بأن الضربة الإيرانية آتية لا ريب فيها، تلك اللغة غير المسبوقة، التي اعتمدها كبار المسؤولين للتعليق على العدوان الإسرائيلي، فكبير المفاوضين ورئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، يقول لنبيه بري: أرواحنا هي أرواحكم، وعرى العلاقة بيننا لا تنفصم"، فيما مستشار المرشد الأعلى على أكبر ولايتي يقول: "حزب الله هو فلذة كبد إيران ومحور المقاومة"، وأن "الصبر نفذ والأمر صدر، والمنصات تتجهز للحظة الصفر"، وإلى جانب هؤلاء، كان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محمد باقر ذو القدر، يقول: "لبنان روحنا، ورد مقاتلي الإسلام قادم، ولن يتم التسامح مع انتهاك الخطوط الحمراء لإيران"، وفي الوقت نفسه، كان إبراهيم عزيزي، رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، يتوعد من على منصة "إكس" برد حتمي من جانب "جبهة المقاومة الموحدة".

تلكم لغة إيرانية "استثنائية" في وصف العلاقة العضوية مع لبنان وحزب الله، لا أذكر أنني قرأت شيئاً مماثلاً لها طيلة سنوات وعقود، وهي تتخطى "المشاعر والعواطف" إلى محاولة فرض "معادلة التلازم" التي طالما سعى نتنياهو لتفكيكها، مستمسكاً بمعادلة "فصل المسارات"، لم تترك طهران، التي لوّحت بتعليق مفاوضاتها مع واشنطن، هامشاً للتكهنات، الرد قادم، والضربة حتمية، والأيدي التي ظلت على الزناد طيلة أسابيع الهدنة، ستضغط عليه، فوراً وليس بعد طول انتظار.

وهذه المرة، اتسع نطاق التهديد والتلويح الإيرانيين بالقوة وخيار اللجوء إليها، وأُدخل باب المندب إلى معادلة "الضاحية مقابل هرمز"، في تصعيد لحدة الموقف، أدخل ترامب في دوامة الارتباك وفقدان الصبر و"الانهيار" على حد وصف مراقبين أمريكيين وإسرائيليين (وليس إيرانيين)، وجعله يتفوه بما قاله لنتنياهو، مما نترفع عن ذكره، فانفتح المشهد برمته، على خيارين لا ثالث لهما: (1) إما أن تبادر واشنطن إلى تقديم مزيد من التنازلات، ومن "كيس نتنياهو" هذه المرة، ولصالح حزب الله، فضلاً عن مكاسب لإيران تشتمل على إجلاء ما هو غامض في المذكرة...(2) أو الذهاب إلى جولة جديدة من القتال، نعرف كيف تبدأ، ولا يعرف أحدٌ كيف تتطور وأين تنتهي...سفن ترامب رست على الخيار الأول، في حين كان نتنياهو وهو "يصمم" الغارة على الضاحية، يدفع باتجاه الخيار الثاني، الخيار الذي يريده ويشتهيه، ويعلق عليه أماله في الحصول على ولاية جديدة على رأس حكومة ما بعد الانتخابات في إسرائيل.

10 ساعات غيّرت المشهد

في التحليل: أدركت طهران منذ بدء حرب الأربعين يوماً، أن الصراع على "قواعد الاشتباك"، يجب أن يُحسم مرة واحدة، وإلى ما شاء الله، لن تقبل طهران بأن تكون "ملطشة" للأمريكي والإسرائيلي...هي انتزعت من واشنطن التزاماً بوقف الحرب وعدم تجددها، بيد أنها لاحظت كما يقول مسؤولوها ، أن إدارة ترامب، إما عاجزة، أو غير راغبة في ضبط "أزعر الحي" في تل أبيب...هنا قررت طهران، أن تقوم بالمهمة بنفسها، وبالشراكة مع حلفائها، لكأن لسان حالها يقول: لا رجعة عن فرض قواعد اشتباك "تغل يد الإسرائيلي" وتستأصل تنمره عليها وعلى بقية أطراف المحور، وكان لها ما أرادت، أقله على مستوى النص، أما أمر الالتزام الأمريكي، وبالأخص الإسرائيلي، فخاضع للتجربة والاختبار في قادمات الأيام.

تُدرك طهران، إن لا قيمة للاتفاق مع الأمريكي، إن ظل الإسرائيلي يمارس العربدة والتوحش على مختلف الجبهات، وهي في سبيل احتواء لعبة "الشرطي الجيد والشرطي الشرير"، لا تمانع كحد أدنى في التزام واشنطن عدم الانخراط في حرب جديدة دفاعاً عن إسرائيل، فتتولى هي وحلفاؤها، أمر الغطرسة الإسرائيلية، وهذا أضعف الإيمان، أو أن تمارس الولايات المتحدة ما يكفي من ضغوط وتلعب بما في حوزتها من أوراق للجم تل أبيب، والحد من اندفاعتها و "قص معدتها المتضخمة" التي لا تعرف الشبع والامتلاء...واشنطن آثرت الأخذ بالخيار الثاني، مع أنها أبقت الباب مفتوحاً أمام الخيار الأول، وهي فعلت ذلك عندما لوّح ترامب لنتنياهو بتركه منفرداً في مواجهة طهران والمحور، إن هو لم يَصدع بما يُؤمر.

وفي التحليل أيضاً، ولكن المستند إلى معلومات وتسريبات وكثرة من التغريدات، فإن الساعات العشر التي فصلت ما بين "عدوان الضاحية" والاعلان عن الاتفاق، كانت شهدت حراكاً دبلوماسياً كثيفاً للحيلولة دون اندلاع جولة جديدة من المواجهة، إذ تقول المصادر إن الوسطاء، بالذات القطري، قد نجحوا في تحصيل ثلاثة تنازلات هامة، وربما هناك غيرها مما لم نعرف عنه حتى الآن:

أولها؛ وقف شامل للأعمال العدائية ضد لبنان، كل لبنان، وليس ضاحيته الجنوبية فحسب، وهناك من يعتقد أن أمر الانسحاب الإسرائيلي المتدرج من "المنطقة الصفراء" قد صدرت بشأنه تعهدات أمريكية، مع أن إدارة ترامب ما زالت تفضل عدم تقديمها لمسار إسلام آباد، وهي – الإدارة- وإن كانت ما زالت ملتزمة رسمياً بمسار واشنطن، إلا أنها والكلام لمصادر مطلعة، بدأت تفقد ثقتها بقدرة هذا المسار على تسجيل اختراقات جدية، وهو ما يفسر بنظر المصادر ذاتها، افتتاحها لمسار ثالث بين المسارين المذكورين، وأعني به مسار "عين التينة" مع الرئيس نبيه بري.

ويبدو أن واشنطن أدركت أخيراً، أن السلام يُبرم بين الفريقين المتحاربين، وليس بغياب أحدهم، وأن حفلات الهجاء والشيطنة لحزب الله التي تجري في أروقة الخارجية الأمريكية، لن تُفضي إلى مطرح، حتى وإن أطربت الوفد الإسرائيلي وأثارت ارتياحه لوجود نفرٍ من اللبنانيين "يحبون إسرائيل أكثر من بلدهم"، على حد قول عضوٍ فيه، وهي العبارة ذاتها التي كررها الزعيم الدرزي وليد جنبلاط بلغة مختلفة ومكان آخر، حين قال إن من بين أعضاء الفريق التفاوضي اللبناني، من هو "إسرائيلي أكثر من الإسرائيليين أنفسهم".

يفسر ذلك، تسريبات متعددة عرضت لقنوات اتصال متعددة، مباشرة وغير مباشرة، تجريها أطراف أمريكية ودولية مع قيادة حزب الله، في إسلام آباد وبيروت وطهران، وتدور في مجملها حول كيفية إدماج الحزب في مسارات العملية السياسية، ودائماً من منطلق أن من يحارب هو الأولى والأقدر على التفاوض، وليس من يقوم بهذا الدور نيابة عنه، بلا تفويض، وغالباً بالضد منه ومن مصالحه وأولوياته.

ثانيها؛ وأقصد "تنازلات ربع الساعة الأخير" التي قدمتها واشنطن لطهران، وتتمثل في رفع الحصار البحري المفروض على الموانئ والسواحل الإيرانية، فوراً وبشكل كامل، بعد أن كانت المذكرة في مسوّدات سابقة لها، تتحدث عن رفع تدريجي، تزامناً وتوازياً مع خطوات الفتح التدريجي لمضيق هرمز، تلكم نقطة صبّت لحساب إيران وفي مصلحتها.

ثالثها؛ وهذا جاء في سياق "تسريبات" لم تتأكد بعد، وربما تبقى في إطار من السرّية إلى حين، وتقضي بزيادة المبالغ المفرج عنها من الأموال الإيرانية المجمدة، على شكل "حوافز" تشجع الإيراني على القبول بمذكرة التفاهم من جهة، وعدم المضي في تنفيذ تهديداته بالرد عسكرياً على "عدوان الضاحية" من جهة ثانية، وسوف تكشف الأيام القادمة، تفاصيل أكثر عن هذا البند، وربما غيره، والأرجح بعد مراسم التوقيع في جنيف، وليس قبلها.

حين انقلب السحر على الساحر

سواء أراد نتنياهو بعدوانه على الضاحية، قطع الطريق على "مذكرة التفاهمات" قبل أن تُبرم، أم أنه أراد كما يقول مراقبون، التأكيد بالقوة الغاشمة، على عدم شمول لبنان بالاتفاق، أو بالأحرى، عدم شمول إسرائيل بهذا البند من الاتفاق (البند الخاص بلبنان)، فقد انقلب سحر مغامرته على الساحر، وبدل أن يُخرِج "عدوان الضاحية" واشنطن عن مسار التفاوض، عمّق دخولها فيه، ومن بوابة تقديم المزيد من التنازلات...وبدل تأخير الاتفاق أو إحباطه، استعجله وسرّع في وتائر تجسير الفجوات المتبقية.

لكن المؤكد، أن ذلك لا يعني للحظة واحدة، أن إسرائيل ستكف عن محاولاتها إجهاض مسارات التسوية على الجبهتين اللبنانية والإيرانية، وأنها لن تواصل حروبها المتنقلة، وإن بأدوات مختلفة، وأنها ستظل تتحين الفرص لغرس سهامها المسمومة في جسد إيران وحزب الله وحلفائهما.

والمؤكد أيضاً، أن مهمة تل أبيب التخريبية ستكون أصعب وأكثر تعقيداً من أي وقت مضى، سيما بعد كل تقدم يطرأ على مسارات الدبلوماسية، وبعد افتضاح دورها في التشويش على المصالح والأولويات الأمريكية، وبعد تنامي الإحساس في البيت الأبيض، بأن هذا "الشريك" يتجه إلى أن يكون عبئاً عليه، بدل أن يكون ذخراً له.

والمؤكد كذلك، أن نتنياهو شخصياً، وحزبه وائتلافه، سوف يدفعون أثمان مقامراتهم الخائبة وفشلهم الاستراتيجي، في ترجمة مكاسب الميدان إلى إنجازات سياسية واستراتيجية، وقد يفقد "ملك إسرائيل" مكانه تحت الشمس، ما أن تُفتح مراكز الاقتراع أبوابها في أكتوبر القادم.

ستواصل إسرائيل اختراقاتها لاتفاق وقف النار في لبنان، وإن بمعدلات خفيضة نسبياً من العنف والتدمير، وستواصل حروبها الاستخبارية والسيبرانية ضد إيران، وستعمل على عرقلة مفاوضات الستين يوماً بإثقالها بمزيد من المطالب والاشتراطات، بيد أنها في كل ما تقول وتفعل، ستواجه مصاعب أكبر، في الوصول إلى أهدافها ومراميها، وستزداد عزلتها مع تنامي إدراك المجتمع الدولي، بأن تل أبيب وحدها، هي من يطلق صيحات الحرب والتصعيد، غير آبهة بارتداداتها على أزمة الطاقة والأسواق العالمية وحرية الملاحة، وسيزيد ذلك من عزلتها ونبذها.

وسيكون من العسير على "قطار التطبيع الإبراهيمي" مواصلة انتقالاته من محطة إلى أخرى، بعد أن تكشف لدول الخليج، أن تل أبيب ليست "حليفاً محتملاً" كما انعقدت رهانات بعضهم عليها، بل صارت "تهديداً كامناً"، يمس دول الخليج في أمنها واستقرارها وازدهارها، وسيكون لذلك ارتداداته على خرائط الطاقة وأنابيبها ومرافئ التصدير والطرق السريعة والسكك الحديدية وتجارة الترانزيت، في عموم المنطقة.

الإقليم والعالم، في مرحلة ما بعد الحرب، لن يظلا كما كانا عليه قبلها، فثمة تبدلات في توازنات القوى ودينامياتها، تجعل من الصعب على واشنطن وحليفتها، بسط الهيمنة وإعادة ترسيم خرائط الجغرافيا والقوة والنفوذ، وقد آن الآوان لكي يُبنى على الشيء مقتضاه، فلسطينياً ولبنانياً وعربياً وإقليمياً ودولياً، وللبحث صلة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية