الدعجة يكتب: الأردن والتوازن في زمن المتغيرات
حسن الدعجة
يأتي الاحتفال بعيد الجلوس الملكي، وذكرى الثورة العربية الكبرى، ويوم الجيش، في مرحلة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، تشهد فيها منطقة الشرق الأوسط تحولات متسارعة تعيد رسم موازين القوى والتحالفات، وتفرض على الدول إعادة تقييم سياساتها وخياراتها الإستراتيجية. وفي خضم هذه المتغيرات، يبرز الأردن نموذجاً فريداً في إدارة التحديات من خلال دبلوماسية متوازنة جمعت بين الثبات على المبادئ والمرونة في التعامل مع الوقائع المتغيرة.
وقد لعبت القيادة الحكيمة لجلالة الملك عبد الله الثاني دوراً محورياً في ترسيخ هذا النهج، حيث قاد المملكة بعقلانية سياسية ورؤية إستراتيجية بعيدة المدى وسط بيئة إقليمية مضطربة تتسم بتعدد الأزمات وتشابك المصالح الدولية.
فمن خلال قراءة دقيقة للمتغيرات، وقدرة استثنائية على استشراف المستقبل، نجح جلالته في حماية الأردن من تداعيات العديد من الأزمات الإقليمية، والحفاظ على أمنه واستقراره ومكانته الدولية. كما عزز حضور الأردن كصوتٍ للحكمة والاعتدال، ودافع بثبات عن القضايا العربية العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، مؤكداً أن قوة الدولة لا تقاس فقط بإمكاناتها المادية، بل أيضاً بحكمة قيادتها وقدرتها على تحقيق التوازن بين المصالح الوطنية والالتزامات القومية والإنسانية.
لقد شكلت الثورة العربية الكبرى التي انطلقت عام 1916 مشروعاً نهضوياً عربياً استند إلى قيم الحرية والوحدة والكرامة، فيما جاء تأسيس الدولة الأردنية امتداداً عملياً لتلك الرسالة التاريخية. ومنذ ذلك الحين، حافظ الأردن على نهج سياسي يقوم على الاعتدال والانفتاح والحوار، وهو النهج الذي عزز مكانته كدولة محورية قادرة على بناء الجسور بين الأطراف المختلفة في منطقة تعج بالصراعات والأزمات.
وفي عهد جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، شهدت الدبلوماسية الأردنية تطوراً نوعياً جعلها أكثر حضوراً وتأثيراً على المستويين الإقليمي والدولي. فقد استطاع الأردن أن يحافظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية والإقليمية، وأن يتجنب الانخراط في سياسة المحاور والاستقطابات الحادة التي طبعت المشهد الإقليمي خلال العقدين الماضيين. هذه السياسة لم تكن تعبيراً عن الحياد السلبي، بل عن رؤية استراتيجية تدرك أن استقرار الأردن وأمنه الوطني يرتبطان بقدرته على بناء شبكة واسعة من العلاقات والشراكات المتوازنة.
وتبرز أهمية هذا النهج في ظل التحولات العميقة التي تشهدها المنطقة اليوم. فالحروب والصراعات الممتدة، والتنافس بين القوى الإقليمية، وصعود أدوار دولية جديدة، إضافة إلى التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة، كلها عوامل فرضت واقعاً جديداً لم تعد فيه التحالفات التقليدية وحدها قادرة على توفير الاستقرار أو ضمان المصالح الوطنية.
وفي هذا السياق، لعب الأردن دوراً مهماً في دعم جهود التهدئة والحوار، والدعوة إلى الحلول السياسية للنزاعات، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الأمن لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، وإنما من خلال معالجة جذور الأزمات وبناء منظومات تعاون إقليمي أكثر استدامة. وقد ظهر ذلك بوضوح في مواقفه تجاه الأزمات الإقليمية المختلفة، وفي جهوده المستمرة لدعم الأمن والاستقرار في المنطقة.
كما احتلت القضية الفلسطينية موقعاً مركزياً في السياسة الأردنية، باعتبارها القضية المحورية في الشرق الأوسط. فقد واصل الأردن الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، والتأكيد على أن حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية يمثلان الطريق الوحيد لتحقيق سلام عادل وشامل ودائم. وفي الوقت ذاته، حافظ الأردن على دوره التاريخي في الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، باعتبارها مسؤولية دينية وتاريخية وسياسية ذات أبعاد استراتيجية تتجاوز حدود الجغرافيا.
وعلى الصعيد الداخلي، أدرك الأردن أن قوة الدولة في الخارج تبدأ من قوة الجبهة الداخلية. لذلك تواصلت مسارات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري بهدف تعزيز قدرة الدولة على مواجهة التحديات المستقبلية، ورفع مستوى التنافسية الوطنية، وتهيئة بيئة أكثر جذباً للاستثمار والتنمية. كما اتجهت الدولة نحو الاستثمار في قطاعات المستقبل، وفي مقدمتها التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة، بما يسهم في تعزيز الأمن الاقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة.
أما القوات المسلحة الأردنية؛ الجيش العربي، التي يحتفل الأردنيون بيومها بكل فخر واعتزاز، فقد بقيت على الدوام صمام الأمان للوطن، وحصنه المنيع في مواجهة مختلف التحديات. فمنذ تأسيس الدولة، ارتبط الجيش العربي بقيم الثورة العربية الكبرى ورسالتها القومية والإنسانية، وظل نموذجاً للمؤسسة الوطنية التي تجمع بين الكفاءة العسكرية والانتماء الوطني والالتزام برسالة السلام والاستقرار.
إن قراءة المشهد الإقليمي الراهن تشير إلى أن الشرق الأوسط يتجه نحو مرحلة جديدة تتسم بتعدد مراكز القوة، وتزايد أهمية الدبلوماسية الاقتصادية، وتصاعد دور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تشكيل معادلات النفوذ. وفي مثل هذا الواقع، تبدو سياسة الأردن القائمة على التوازن والاعتدال والانفتاح أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأنها توفر للدولة القدرة على التكيف مع المتغيرات دون التفريط بثوابتها الوطنية ومصالحها الاستراتيجية.
وفي عيد الجلوس الملكي، وذكرى الثورة العربية الكبرى، ويوم الجيش، يستحضر الأردنيون مسيرة دولة نجحت في تحويل الجغرافيا الصعبة إلى فرصة، والتحديات إلى عناصر قوة، والأزمات إلى دوافع للابتكار والتجدد. كما يستحضرون نموذجاً قيادياً أثبت أن الحكمة والاعتدال والرؤية الإستراتيجية يمكن أن تشكل أدوات فاعلة لحماية الأوطان وتعزيز مكانتها في عالم سريع التغير.
ويبقى الأردن، بقيادته الهاشمية وجيشه العربي وشعبه الواعي، نموذجاً للدولة التي استطاعت أن تحافظ على توازنها واستقرارها، وأن تواصل أداء دورها الإقليمي والدولي بثقة واقتدار، رغم ما يحيط بها من تحديات وتحولات غير مسبوقة.







