اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الكساسبة يكتب: كيف نعزز أثر زيادة الرواتب على المعيشة والنمو؟

{title}
أخبار الأردن -

د. حمد الكساسبة

تفتح زيادة رواتب الموظفين والمتقاعدين بقيمة 30 دينارًا شهريًا للفئات التي تقل رواتبها عن 600 دينار نقاشًا اقتصاديًا مهمًا حول كيفية توسيع أثر هذه الخطوة على معيشة المواطنين والنشاط الاقتصادي. فالزيادة تستجيب لحاجة اجتماعية واضحة، وتمنح أصحاب الدخل المحدود والثابت مساحة أوسع للتعامل مع متطلبات الحياة اليومية، لكنها في الوقت نفسه تتيح فرصة للتفكير في أدوات مكملة تجعل أثرها أوسع وأكثر استدامة.

ومن هذه الزاوية، تبدو الزيادة النقدية المباشرة أداة سريعة وملموسة لدعم القدرة الشرائية، خصوصًا أنها تصل إلى فئات تميل غالبًا إلى إنفاق الجزء الأكبر من دخلها على احتياجات أساسية مثل الغذاء والنقل والدواء والتعليم. وهذا يعني أن جزءًا مهمًا من هذه الزيادة سيعود إلى السوق المحلي عبر الاستهلاك، بما ينعكس إيجابًا على الحركة التجارية والطلب المحلي.

غير أن تعظيم أثر أي إنفاق عام موجه لدعم المعيشة لا يتوقف عند تحسين الدخل النقدي فقط، بل يمكن أن يمتد إلى تخفيف كلفة المعيشة وتحريك التشغيل والإنتاج. فإذا كانت الزيادة المباشرة تعزز جانب الدخل، فإن تخفيف الأسعار يعزز جانب القدرة الشرائية من زاوية أخرى. ومن هنا يبرز في النقاش الاقتصادي خيار تخفيض ضريبة المبيعات بالقيمة المالية نفسها، لا بوصفه بديلًا عن الزيادة، بل بوصفه أداة أخرى يمكن مقارنتها من حيث الأثر والكفاءة.

المقارنة بين الخيارين تكشف أن لكل منهما مزاياه وحدوده. فالزيادة النقدية أكثر وضوحًا ووصولًا إلى الفئات المستهدفة، ويمكن أن تنعكس سريعًا على الاستهلاك المحلي. أما تخفيض ضريبة المبيعات، فيبدو أوسع نطاقًا لأنه قد يطال شريحة أكبر من المستهلكين، غير أن أثره العملي يعتمد على مدى انتقال التخفيض إلى الأسعار النهائية، وعلى طبيعة السلع المشمولة، وعلى قدرة الرقابة على ضمان وصول المنفعة إلى المواطن.

لذلك، فإن التخفيض الضريبي يكون أكثر فاعلية عندما يكون موجهًا ومدروسًا، لا عامًا ومفتوحًا. فالتخفيض العام قد يكلّف الخزينة مبلغًا كبيرًا دون ضمان كامل لانعكاسه على الأسعار، بينما يمكن لتخفيض موجه على سلة محددة من السلع الأساسية أو بعض مدخلات الإنتاج المحلية أن يخفف كلفة المعيشة والإنتاج في الوقت نفسه. وهنا يصبح التخفيض الضريبي أداة مكملة لدعم الدخل، لا بديلًا عنه.

ومن هنا، يمكن التفكير في مقاربة أكثر توازنًا تستخدم الكلفة المالية نفسها بطريقة تحقق أكثر من هدف في وقت واحد: دعم القدرة الشرائية، تخفيف كلفة المعيشة، وتحريك التشغيل والإنتاج. فالمواطن لا يحتاج فقط إلى دخل أعلى، بل يحتاج أيضًا إلى أسعار أكثر احتمالًا، وفرص عمل أكثر استقرارًا، واقتصاد أكثر قدرة على توليد الدخل.

يمكن أن تقوم هذه المقاربة على ثلاثة مسارات مترابطة. المسار الأول هو دعم مباشر أو زيادة نقدية موجهة للفئات الأقل دخلًا، بما يحافظ على الهدف الاجتماعي الأساسي للقرار. والمسار الثاني هو تخفيض ضريبي محدود على سلع أساسية أو مدخلات إنتاج مختارة، مع رقابة تضمن انعكاسه على الأسعار. أما المسار الثالث، فهو تخصيص جزء من الإنفاق لبرامج تشغيل وإنتاجية، مثل تدريب مرتبط بوظائف فعلية، أو دعم المشاريع الصغيرة، أو تخفيض كلفة الطاقة على قطاعات إنتاجية محددة.

أهمية المسار الثالث أنه ينقل النقاش من دعم الدخل الحالي إلى بناء دخل جديد. فالأردن لا يحتاج فقط إلى أدوات تخفف الضغط المعيشي الآني، بل يحتاج أيضًا إلى سياسات تعزز قدرة الاقتصاد على توليد فرص العمل. وكلما ارتبط الإنفاق العام بالتشغيل والإنتاجية، أصبح أثره أعمق من مجرد زيادة في الاستهلاك، وتحول إلى استثمار في قدرة الأسر على الاعتماد على دخل مستدام.

كما أن هذا التوجه ينسجم مع روح رؤية التحديث الاقتصادي، التي تقوم على توسيع فرص العمل، وتحسين الإنتاجية، وتعزيز قدرة الاقتصاد على النمو. فالإنفاق العام يصبح أكثر فاعلية عندما لا يبقى محصورًا في تحسين الدخل الجاري فقط، بل يتحول إلى وسيلة لرفع كفاءة السوق، وخفض كلف الإنتاج، وتحسين فرص القطاع الخاص في التوسع والتشغيل.

في النهاية، تبدو زيادة الرواتب خطوة اجتماعية مهمة ومفهومة في ظل ضغوط المعيشة، لكنها يمكن أن تكون أيضًا مدخلًا لتفكير أوسع حول كيفية تعظيم أثر الإنفاق العام. فالقضية ليست في حجم ما يُنفق فقط، بل في نوعية الأثر الذي يتركه هذا الإنفاق. وكلما نجحنا في ربط دعم الدخل بتخفيف الأسعار وتحفيز التشغيل، أصبح كل دينار عام أكثر قدرة على خدمة المواطن اليوم، وخلق فرصة عمل غدًا، وتعزيز نمو الاقتصاد في المستقبل.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية