اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

منصور يكتب: "التصفيق وقوفا" ماذا بعد

{title}
أخبار الأردن -

 

د.عاصم منصور


المكان قصر المؤتمرات في مدينة شيكاغو، المناسبة: انعقاد المؤتمر السنوي للجمعية الأميركية للأورام، المؤتمر الأهم والأكبر في مجال الأورام على مستوى العالم. العيون متجهة إلى جلسة علمية بعينها انتظرها الجميع، حيث تغص القاعة بالحضور قبل انطلاق الجلسة بساعات بانتظار الحدث الأهم في المؤتمر وهو الإعلان عن نتيجة دراسة سريرية حول دواء جديد لعلاج سرطان البنكرياس في مراحله المتقدمة، وهو السرطان الذي لم يشهد أي تطور يذكر منذ عقود. وما أن أعلن الباحث الرئيسي للدراسة عن نتائج التجربة، وعلى غير العادة في مثل هذه المؤتمرات الرصينة حتى وقف الحضور مصفّقين كما لو كنا في حضرة أحد المؤتمرات الحزبية في دولة شمولية، لكن التصفيق هنا كان مستحقا كيف لا وهذا الدواء الجديد قد ضاعف متوسّط بقاء المرضى على قيد الحياة، من نحو ستة أشهرٍ ونصف إلى ثلاثة عشر شهراً وهذه نتائج غير مسبوقة لهذا المرض، غير أنّ المسافة بين هذه العبارة العلمية الدقيقة وبين عناوين الصحف والمواقع الإخبارية التي حاصرتنا بعناوين من طراز «عقارٌ يهزم أعتى أنواع السرطان» شاسعة.
 

فإن نتمكن من مضاعفة «متوسّط البقاء» على قيد الحياة في مرضٍ شرس ومعقد إنجازٌ نفخر به ونبني عليه، لكنه ليس شفاءً ولا قريباً من ذلك. وثمّة بونٌ شاسع بين أن نُطيل العمر أشهراً ثمينة وبين أن نَعِدَ بالخلاص التام، وهذا هو جوهر المسألة، فنصفُ الحقيقة، حين يُقدَّم على أنه الحقيقة كلّها، أشدّ فتكاً من الكذبة الصريحة، لأنه يستعير ثوب العلم ووقاره.
ولو أخذنا مثالا آخر من لقاحات الحمض النووي ضدّ السرطان، وهو حقل واعد حقاً فقد نقلت بعض المنصّات أنّ «تسعين بالمائة» من المرضى ما زالوا على قيد الحياة بعد ست سنوات خضوعهم لإحدى التجارب السريرية، لكن الخبر الصحفي أغفل أن هذه تجربة في مرحلتها الأولى وعدد من خضعوا لها لم يتجاوز الستة عشر مريضاً.
أما المسكوت عنه الآخر وسط هذا الضجيج فهو كلفة هذا الدواء وأشباهه، وفيما إذا سيكون في متناول جميع المرضى بغض النظر عن مكان تواجدهم ومستوى دخلهم أو دخل دولهم، فقد علمتنا التجارب السابقة أن أسعار هذه الأدوية تقترب من حد الجنون ولن يتمكن من الحصول عليها إلا أصحاب الحظوة.
وأنا في هذا السياق لا أُبرّئ شركات صناعة الأدوية من المسؤولية عن هذه الأخبار المثيرة فبعض هذه الأدوية تُنتجها شركاتٌ مُدرَجة في أسواق المال، ترتفع أسهمها على وقع بيانٍ يصف النتائج بأنها «غير مسبوقة»، وفي الجهة المقابلة هناك المواقع والمنصات الإخبارية التي تلهث خلف النقرات والتفاعل فتبادر لالتقاط العناوين الأكثر إثارة وتغفل ما عداها. 
لكنّ الثمن لا تدفعه الأسواق ولا منصات التواصل، بل المريضٌ الذي يتعلّق بقشّة، قد تضطره إلى يبيع ممتلكاته في سبيل الحصول على دواء تمت المبالغة في عرض نتائجه، أو أن يهجَر علاجاً آخر نافعاً أو رعايةً تلطيفية تخفف ألمه وتحفظ كرامته والأقسى من ذلك العيش بانتظار أمل تم تضخيمه.
لا أكتب هذا تزهيداً في الأمل، فبدونه نفقد دوافعنا للعيش، كما أن التقدّم الذي يشهده الطب اليوم حقيقيّ ومبهر، لكنّ الأمل الصادق وحده يستحقّ أن يُبنى عليه، ومسؤوليتنا، كأطباء وعلماء أن نقول الحقيقة كاملة دون مواربة وبلغة لا تحتمل التأويل، وعلى الإعلام أن يستعين بأهل الاختصاص قبل التسرع بالنشر، وعلى الجهات الرقابية أن تحاسب مَن يتاجر بتعطّش الناس إلى بارقة أمل.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية