اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

ملكاوي يكتب: ما هو "الغرب" اليوم؟

{title}
أخبار الأردن -

 

موفق ملكاوي


في أعقاب بدء حقبة الاستعمار الغربي للعالم، تعودنا على تعميم لفظ الغرب على جميع ما هو أوروبي أو أميركي، ولكن، هل ما يزال الغرب واحدا اليوم، أم تعدد وتشعب وأصبح أكثر من غرب؟ 
 

السؤال يمس قضية معقدة في الفكر السياسي والثقافي المعاصر، فلفظ «الغرب» نفسه كان واحدا من أكثر المصطلحات التي جرى استخدامها بطريقة تعميمية عبر القرنين الماضيين. فحين نقول الغرب، نتخيل كتلة متجانسة من الدول والقيم والأفكار والمصالح، تمتد من أميركا الشمالية إلى أوروبا الغربية، كما لو كانت تتحدث بصوت واحد، وتتحرك ضمن مشروع حضاري واحد. غير أن هذه الصورة كأكثر تبسيطا من الواقع.
الغرب لم يكن يوما وحدة صلبة بالكامل، فقد كانت هناك دائما فروق بين أوروبا وأميركا، وبين الدول الأوروبية نفسها، كما كانت هناك اختلافات بين التيارات الليبرالية والمحافظة والقومية داخل الدولة نفسها. لكن هذه الاختلافات كانت تتوارى خلف عوامل أكبر تجمعه، كمواجهة المعسكر السوفيتي، أو الدفاع عن النظام الرأسمالي العالمي، أو قيادة المؤسسات الدولية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية.
اليوم يبدو المشهد مختلفا بصورة واضحة، فمن الناحية السياسية، نجد أن الخلافات داخله أصبحت أكثر وضوحا، فهناك خلافات دائمة بين الولايات المتحدة وأوروبا حول التجارة والطاقة والإنفاق العسكري والعلاقة مع الصين. كما أن صعود التيارات القومية والشعبوية في عدد من الدول الأوروبية أوجد رؤى مختلفة لمستقبل الاتحاد الأوروبي نفسه، وللعلاقة مع المهاجرين والعولمة والهوية الوطنية.
من الناحية الثقافية، لم يعد هناك إجماع غربي على منظومة قيم واحدة، فالنقاشات الحادة حول الهوية والجندر والهجرة والتعددية الثقافية تكشف وجود رؤى متعارضة داخل المجتمعات الغربية نفسها. بعض هذه المجتمعات يميل نحو مزيد من الانفتاح الكوني، بينما تتجه قوى أخرى نحو استعادة الدولة القومية والهوية المحلية والتقاليد المحافظة.
أما اقتصاديا، فقد أدت العولمة إلى نتائج متناقضة داخل الغرب ذاته، فبينما استفادت منها قطاعات واسعة من النخب الاقتصادية، شعرت شرائح اجتماعية كثيرة بأنها خسرت وظائفها ومكانتها نتيجة انتقال الصناعات إلى آسيا وارتفاع المنافسة العالمية، ما أفرز موجات الاحتجاج الشعبوي تحت شعارات مثل «أميركا أولا» و»استعادة السيطرة» و»حماية الحدود».
كما أن الحرب في أوكرانيا، والصعود الصيني، والحرب على غزة، كشفت أن المصالح الغربية ليست متطابقة دائما، وأن هناك تباينا في الأولويات وتقدير المخاطر، وفي كيفية التعامل مع الأزمات الدولية.
لكن القول إن الغرب لم يعد واحدا لا يعني أنه تفكك بالكامل، فما تزال هناك قواسم كبرى تجمع دوله، كالتحالفات العسكرية، والتشابك الاقتصادي، والمؤسسات السياسية المشتركة، والإرث الفكري الذي تأسس منذ عصر التنوير، إضافة إلى شبكة واسعة من المصالح الاستراتيجية المشتركة.
الصورة الأدق أن الغرب أصبح «مجموعة مختلفة» داخل إطار حضاري عام واحد، هناك غرب أميركي يميل أكثر إلى البراغماتية والقوة والنزعة الإمبراطورية العالمية، وغرب أوروبي يحاول تقديم نفسه كنموذج قانوني وإنساني أقل ميلا لاستخدام القوة العسكرية. بينما هناك غرب ليبرالي عالمي يؤمن بالحدود المفتوحة والعولمة والتعددية، وغرب قومي محافظ يرى أن العولمة أضعفت المجتمعات الوطنية وهددت الهويات التاريخية.
من الخطأ اليوم التعامل مع الغرب كما لو كان كيانا واحدا يفكر بالطريقة نفسها ويتخذ المواقف نفسها في كل القضايا، فمثل هذا التصور كان قابلا للفهم في زمن الحرب الباردة، لكنه أصبح أقل قدرة على تفسير الواقع الحالي، فحتى في البلد الواحد هناك انقسام متزايد بين الغرب النخبوي الذي يعيش في المدن الكبرى، والغرب الشعبي الذي يشعر بأن المؤسسات السياسية والثقافية لم تعد تمثله.
لقد تحول الغرب من كتلة تبدو متماسكة من الخارج إلى فضاء واسع من التعدد والصراعات الداخلية، وما نراه اليوم ليس نهاية الغرب بقدر ما هو نهاية الصورة القديمة التي كانت تقدمه كوحدة متجانسة ذات صوت واحد. لذلك، ربما علينا تعريف أي غرب نتحدث عنه حين نقول «الغرب»، لكي نكون أكثر تحديدا ودقة، فالمسألة أصبحت أصعب بكثير مما كانت عليه قبل نصف قرن.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية