كراجة يكتب: الكباريتي وبرنامج الضفة الغربية
سائد كراجة
في مقدمته للعدد الجديد من مجلة السياسة والمجتمع، يدعو رئيس الوزراء الأردني الأسبق عبد الكريم الكباريتي إلى «برنامج أردني أكثر فاعلية في الضفة الغربية». وهذه بكل بساطة أوضح دعوة يطلقها مسؤول أردني رفيع المستوى لمراجعة جذرية في كيفية تعامل الأردن مع القضية الفلسطينية.
الحديث عن هذه المراجعة يتداول في الغرف المغلقة ولا غرف مغلقة في الأردن لكن أن يقوله الكباريتي، الذي خلص عبر تجربة شخصية في عملية السلام إلى أن رابين هو السياسي الصهيوني الوحيد الذي آمن بالسلام، واغتيل على يد الصهاينة أنفسهم، وأن نتنياهو منذ البدء ليس رجل سلام، وأن أميركا لم تعد ملاذا آمنا للأردن، يجعل كلامه جرس إنذار لزلزال سياسي يمثل تحديا وجوديا للأردن.
غير أن البرنامج المطلوب يحتاج تفكيرا وتدقيقا، فالأردن لا يقبل دورا عملياتيا في الضفة، ولا هو يرغب بأي تراجع عن فك الارتباط، ولا أي إجراء يُستخدم أو يُستحضر لتمرير الوطن البديل أو التهجير، والحقيقة المؤلمة التي لا بد من الاعتراف بها: إسرائيل تُعِدّ الضفة للضم، وتريد الأرض دون السكان، والأردن في الوعي الصهيوني هو الوعاء الطبيعي لاستقبال المهجّرين. أعرف أن هناك من يستبعد حدوث مثل هذا التهجير، ولكن من الحصافة التحضير لأسوأ السيناريوهات.
فما الذي يمكن فعله مختلفا؟ هذه بعض الأفكار للنقاش والحوار:
اقتصاد الصمود بدل اقتصاد المساعدات: تأسيس منطقة حرة أردنية-فلسطينية تفتح للمنتج الفلسطيني سوقا بديلا، وصندوق استثمار أردني-خليجي يدعم الزراعة والبنية التحتية في مجتمعات غور الأردن خط الترحيل الأول. وصندوق عربي يؤمّن للسلطة تمويلا بديلا (bridge financing) يعوّض عوائد الجمارك التي تحتجزها إسرائيل، مع استمرار المطالبة بالإفراج عن هذه العوائد قانونيا وسياسيا باعتبار احتجازها إجراء مخالفا للقانون الدولي.
القانون سلاحا لا درعا: فك الارتباط ليس تفريغا قانونيا للضفة بل متطلب لحق تقرير المصير الفلسطيني، وليس فراغا قانونيا تملؤه إسرائيل. ومعاهدة وادي عربة حسب نصها، الذي لنا عليه ملاحظات عدة، تشمل في تحليلي القانوني المقدسات الإسلامية في كل الضفة، وبشكل عام، فإنه من المهم في هذه المرحلة إنشاء وحدة قانونية متخصصة في وزارة الخارجية الأردنية لرصد إجراءات إسرائيل وتفنيدها يوما بيوم، وثمة ورقة لم تُستخدم بعد، وهي العمل على تصنيف منظمات المستوطنين المسلحة كمنظمات إرهابية، وترويج هذه الفكرة عربيا وعالميا، وصولا إلى قرار بهذا الشأن من الجمعية العامة للأمم المتحدة.
إعادة «تسعير» الاعتراف: الاعتراف الفلسطيني والأردني بإسرائيل يُعطى مجانا ويُستهلك مجانا. هل حان الوقت للإعلان بأنه مرهون بوقف المستوطنات والإفراج عن العوائد الجمركية والتصريح رسميا بمعارضة التهجير إلى الأردن؟ وهل بات حل الدولة الواحدة أقرب للموقف الأردني في ضوء إفشال إسرائيل لحل الدولتين؟ والأجرأ: التلويح العربي الجماعي بمراجعة شاملة للعلاقات مع الغرب الداعم للاحتلال ليس تهديدا فوريا بل سقفا تفاوضيا موثوقا.
وأخيرا، السلطة الفلسطينية: هل حان الوقت للتوقف عن الدبلوماسية المؤدبة معها والمطالبة، ضمن إطار زمني، بوقف الانشطار الفلسطيني والعودة للتعامل عبر منظمة التحرير؟ تقصير السلطة في هذا الملف صار ألما حارقا في الأردن، والوحدة الفلسطينية لم تعد من قبيل الأماني الأخوية بل متطلب أمن وطني أردني.
تحتاج هذه الأفكار، قبل أن تتحول إلى سياسات عملية، إلى نقاش جاد ومنهجي بعيد عن الارتجال، وفي ضوء ارتباطات وتحالفات الأردن، وخاصة مع أميركا، أدعو معهد السياسة والمجتمع لعقد ندوات متخصصة للإجابة على السؤال: ماذا يمكن للأردن أن يفعل مختلفا في الضفة عما يفعله الآن؟ وما هو الممكن وما هو المستحيل في هذا الصدد؟
الكباريتي علّق الجرس. والمعهد وقد عقد نشاطات عدة بهذا الصدد قد يعيد قرعه قريبا. جنابك.







