اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الدرعاوي يكتب: زيادة الرواتب.. قرار جريء

{title}
أخبار الأردن -

 

سلامة الدرعاوي


رغم كل التحديات والضغوطات المالية التي تعرض لها الاقتصاد الوطني عامة والموازنة خاصة منذ بداية العام الحالي نتيجة التطورات الإقليمية الصعبة وتنامي الاضطرابات العسكرية وتداعيات الحرب الحالية من ارتفاع أسعار النفط عالميا والشحن والتأمينات وزيادة كلف الدعم، إلا أن الحكومة نفذت ما كانت قد تعهدت به العام الماضي في خطاب الموازنة بأن يكون في عام 2027 زيادة على رواتب العاملين والمتقاعدين.
 

القرار يأتي في وقت تستعد فيه الحكومة لإعداد بلاغ مشروع قانون موازنة 2027، ويعني هذا أن الزيادة ستكون جزءا أساسيا من مكونات النفقات التشغيلية ضمن بناء مؤسسي جديد يستوعب منذ البداية هذا التعهد، أي أنه لن يكون له انعكاسات سلبية على تنامي عجز الموازنة بشكل يخالف المقدر له.
وبعيدا عن الجدل المعتاد حول كلفة أي قرار مالي، فإن الأرقام المرتبطة بقرار الحكومة زيادة رواتب الموظفين والمتقاعدين المدنيين والعسكريين الذين تقل رواتبهم عن 600 دينار بمقدار 30 دينارا شهريا اعتبارا من عام 2027 تستحق قراءة اقتصادية مختلفة.
الحديث هنا يدور عن أكثر من 700 ألف موظف ومتقاعد سيستفيدون من القرار، أي أن عددا أكبر سيستفيد من القرار عند احتساب أفراد الأسر المستفيدة، فيما تبلغ الكلفة السنوية التقديرية للقرار نحو 252 مليون دينار، أي ما يقارب 21 مليون دينار شهريا ستدخل مباشرة إلى جيوب المواطنين وتعود إلى الأسواق المحلية على شكل إنفاق واستهلاك.
هذه الأرقام وحدها تكشف أن القرار لا يقتصر على كونه زيادة رواتب، بقدر ما يمثل من حزمة تحفيز اقتصادي موجهة للفئات الأكثر إنفاقا في الاقتصاد، فالموظف أو المتقاعد الذي يتقاضى أقل من 600 دينار لا يمكنه دخله من الادخار أو الاستثمار المالي، لكن إلى الإنفاق المباشر على الغذاء والدواء والتعليم والنقل والاحتياجات اليومية، ما يعني أن كامل الـ21 مليون دينار تقريبا ستعود شهريا إلى الدورة الاقتصادية.
الأهمية الأكبر في القرار أنه يأتي بعد ما يقارب 14 عاما من آخر مراجعة جوهرية للرواتب، وهي فترة شهدت تغيرات كبيرة في مستويات الأسعار وكلف المعيشة، وبينما يتمتع متقاعدو الضمان الاجتماعي بآلية مراجعة دورية مرتبطة بمعدلات التضخم، بقي المتقاعدون المدنيون والعسكريون خارج هذه المعادلة لسنوات طويلة، ما خلق فجوة حقيقية بين الرواتب التقاعدية ومتطلبات الحياة اليومية.
اقتصاديا، فإن ضخ 252 مليون دينار سنويا في السوق يعني رفع الطلب المحلي وتحريك الأنشطة التجارية والخدمية، خصوصا أن المستفيدين موزعون على مختلف محافظات المملكة، كما أن زيادة الطلب بهذه القيمة ستنعكس إيجابا على المبيعات والإيرادات الضريبية والنشاط الاقتصادي العام، ما يجعل جزءا من كلفة القرار يعود إلى الخزينة بصورة غير مباشرة.
السؤال الأهم الذي طرحه كثيرون يتعلق بمصدر التمويل، وهنا تكمن نقطة القوة في القرار الحكومي، فالحكومة لم تتحدث عن فرض ضرائب جديدة أو رسوم إضافية، لكن ربطت تمويل الزيادة بقرار تخفيض النفقات التشغيلية للوزارات والمؤسسات الحكومية والمستقلة بنسبة 15 % خلال العام المقبل.
هذا التوجه يحمل دلالة مالية مهمة؛ فبدلا من تحميل المواطن كلفة الزيادة عبر ضرائب جديدة، اختارت الحكومة تمويلها من خلال رفع كفاءة الإنفاق العام وضبط المصاريف التشغيلية المتعلقة بالمحروقات والكهرباء والمياه والسفر والإيجارات والمشتريات المختلفة، وهي رسالة تعكس تحولا من سياسة الجباية إلى سياسة الإدارة الأكثر كفاءة للمال العام.
كما أن اختيار سقف 600 دينار لم يكن رقما عشوائيا، لكن جاء بعد دراسة عدة سيناريوهات شملت مستويات 500 و550 و600 و650 و700 دينار، قبل الوصول إلى القناعة بأن سقف 600 دينار يحقق أفضل أثر اجتماعي واقتصادي ويغطي الشريحة الأكثر احتياجا للدعم.
الأهم أن القرار لا يأتي بمعزل عن بقية التوجهات الاقتصادية، فالحكومة أكدت في الوقت ذاته استمرار الإنفاق على المشاريع الرأسمالية الإستراتيجية في قطاعات المياه والطاقة والنقل، واستمرار دعم الصحة والتعليم والتحول الرقمي، إضافة إلى المحافظة على شبكة الأمان الاجتماعي التي تتجاوز مخصصاتها مليار دينار سنويا لدعم القمح والأعلاف وأسطوانة الغاز والمعونة الوطنية وصندوق دعم الطالب الجامعي.
لذلك فإن قراءة القرار من زاوية الكلفة فقط تبدو قراءة ناقصة، فالمعادلة الحقيقية تقوم على تحقيق توازن بين الانضباط المالي من جهة، وتحسين القوة الشرائية للمواطن من جهة أخرى، وعندما تتمكن الحكومة من ضخ 252 مليون دينار سنويا في الاقتصاد، وتحسين أوضاع أكثر من 700 ألف موظف ومتقاعد، وتمويل ذلك من خلال رفع كفاءة الإنفاق بدلا من زيادة الضرائب، فإننا أمام خطوة اقتصادية واجتماعية تحمل أبعادا تتجاوز قيمة الـ30 دينارا نفسها، وتؤسس لنهج يقوم على ربط العدالة الاجتماعية بالإدارة المالية الرشيدة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية