أبو دلو يكتب: وهم الانتصار رغم الاستنزاف
معاذ وليد أبو دلو
إن حالة الاستنزاف التي تعيشها إسرائيل اليوم لم تعد خافية حتى على حلفائها، فالحروب الطويلة والمتعددة الجبهات لا تقاس بحجم القوة العسكرية فقط، بل بقدرة الدولة على تحقيق أهدافها السياسية ضمن وقت وتكلفة مقبولين. وحتى الآن، لم تنجح حكومة بنيامين نتنياهو في تحقيق أهدافها المعلنة بالقضاء على حركات المقاومة أو فرض واقع أمني مستقر.
في غزة، ورغم الدمار الواسع والانتقادات الدولية، يبدو القضاء الكامل على حركة حماس أمرا غير واقعي. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الحركات المرتبطة ببيئات تعيش تحت الاحتلال والحصار والظلم لا تنتهي بالقوة العسكرية وحدها، بل قد يؤدي العنف المفرط إلى إعادة إنتاجها بصورة أكثر تشددا. كما أن استمرار العمليات العسكرية يفاقم الأزمة الإنسانية ويزيد الضغوط الدولية على إسرائيل، دون أن يحقق حسما سياسيا واضحا وهذا ما تسعى إليه رغم توقف الحرب المعلن.
أما في لبنان، وقيام إسرائيل باحتلال أجزاء من الجنوب ومحاولة إنهاء حزب الله إلا أن الحزب أصبح جزءا من البنية السياسية والاجتماعية للدولة فهو ليس منظمة عسكرية وحسب بل منظمة اجتماعية مدعومة جماهيريا من غالبية الطائفة الشيعية ما يجعل إضعافه عسكريا دون معالجة العوامل السياسية والإقليمية المؤثرة في نفوذه أمرا محدود النتائج. كذلك، تثير العمليات العسكرية داخل الأراضي اللبنانية تساؤلات قانونية وسيادية متزايدة، في ظل مخاوف من توسع المواجهة إلى حرب إقليمية أوسع يصعب احتواؤها.
وفي ما يتعلق بإيران، فهي تتعامل مع الصراع بمنطق الدولة القادرة على إدارة المواجهات الطويلة والتفاوض دون الانجرار إلى حرب شاملة. لذلك، لم تؤد الضربات المتبادلة إلى تغيير جوهري في موازين القوى أو النفوذ الإقليمي، بل عززت نمط الصراع القائم على الردع المتبادل وإدارة التصعيد ضمن حدود محسوبة.
إسرائيل في الداخل، يسعى نتنياهو إلى توظيف الحرب لتعزيز صورته الأمنية في ظل أزماته السياسية وقضايا الفساد، مستفيدا من تصاعد نفوذ اليمين السياسي وحتى الشارع والخطاب الأمني في الحياة السياسية الإسرائيلية وخصوصا بعض وزرائه الحمقى. غير أن هذا الخطاب يصطدم بحالة إنهاك عسكري واقتصادي واجتماعي متزايدة نتيجة تعدد الجبهات واستمرار الحرب، إلى جانب تراجع الثقة الشعبية بقدرة الحكومة على تحقيق أهدافها المعلنة.
وعلى الصعيد الدولي، تواجه إسرائيل تراجعا ملحوظا في صورتها الخارجية مع تصاعد الاتهامات بانتهاك القانون الدولي، وهو ما انعكس في تنامي الضغوط الشعبية والسياسية الغربية، إضافة إلى التحديات القانونية أمام الهيئات القضائية الدولية.
تبدو المنطقة أمام مرحلة طويلة من إعادة تشكيل التوازنات أكثر من اقترابها من حسم نهائي للصراع. فالواقع والحرب الحالية لم تنجح حتى الآن في إنهاء قوى المقاومة أو فرض استقرار دائم، بل كشفت حدود القوة العسكرية عندما تنفصل عن الحلول السياسية. أما نتنياهو، فرغم محاولاته تقديم نفسه كصانع انتصارات، فإن استمرار العمليات العسكرية قد يطيل بقاءه السياسي مؤقتا، لكنه يفاقم في الوقت نفسه الأزمات الداخلية والخارجية المرتبطة بمصير هذه العمليات والحرب، ويزيد من تعقيد المشهد الإقليمي، واحتمالات عدم الاستقرار على المدى الطويل أصبحت واقعا.







