الدرعاوي يكتب: الأداء المالي في الثلث الأول
سلامة الدرعاوي
غالباً ما تجد الحكومات نفسها أمام خيارين صعبين؛ إما حماية إيرادات الخزينة أو حماية المواطن، فكل دينار تتحمله الدولة لتخفيف الأعباء عن الناس ينعكس ضغطاً إضافياً على المالية العامة، وكل إجراء يهدف إلى ضبط العجز قد ينعكس بصورة مباشرة على كلف المعيشة، والتحدي الحقيقي ليس اختيار أحد المسارين، لكن القدرة على السير بهما معاً.
حتى نهاية نيسان 2026، كانت الحكومة تعمل في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، إذ إن المنطقة تعيش تداعيات حرب أثرت على سلاسل التوريد وحركة التجارة والطاقة والشحن، فيما واجه الأردن ضغوطاً إضافية مرتبطة بارتفاع كلف الاستيراد وانقطاع إمدادات الغاز لفترات معينة، ومع ذلك، تظهر البيانات المالية أن الإدارة الاقتصادية حافظت على قدر من الانضباط المالي يستحق التوقف عنده.
عند قراءة الأداء المالي حتى نهاية نيسان 2026، تظهر محاولة واضحة لتحقيق هذه المعادلة، فمن جهة، استمرت الحكومة في تحمل كلف إضافية فرضتها الظروف الإقليمية والحرب وتداعياتها على الطاقة والنقل والتجارة، ومن جهة أخرى، حافظت على مسار مالي منضبط نسبياً، وهو ما تعكسه الأرقام الرسمية.
حتى نهاية نيسان 2026، بلغت الإيرادات المحلية 3308.2 مليون دينار مقارنة مع 3307.5 مليون دينار خلال الفترة نفسها من العام 2025، فيما ارتفعت الإيرادات العامة إلى 3404.1 مليون دينار بنهاية نيسان 2026 مقابل 3329.1 مليون دينار بزيادة بلغت 75.1 مليون دينار، كما وصلت الإيرادات الضريبية إلى 2456 مليون دينار بنهاية نيسان 2026، مقارنة مع 2451.4 مليون دينار خلال الفترة ذاتها من عام 2025، وهذه الأرقام تعكس قدرة المالية العامة على المحافظة على استقرار الإيرادات رغم الظروف المحيطة.
لكن أهمية هذه الأرقام لا تكمن في قيمتها لكن في الظروف التي تحققت خلالها، فالحكومة لم تتجه إلى تحميل المواطن كامل كلف الأزمة، واستمرت بدعم أسطوانة الغاز رغم ارتفاع الكلف عليها، وتحملت أعباء إضافية نتيجة اضطرابات إمدادات الطاقة، كما حافظت على أسعار الغاز للقطاع الصناعي لتجنب انتقال الكلف إلى أسعار السلع والخدمات.
وفي الوقت نفسه، اتخذت إجراءات هدفت إلى حماية الأمن الغذائي ومنع حدوث اختناقات في الأسواق، من خلال توفير نافذة تمويلية لاستيراد وتخزين المواد الأساسية، إلى جانب توسيع برامج التمويل الميسر للقطاعات الاقتصادية والإنتاجية والسياحية، بهدف منع انتقال آثار الأزمة الإقليمية إلى جيب المواطن.
هذه السياسة كان لها ثمن مالي واضح، فقد ارتفعت النفقات الجارية بنهاية نيسان 2026 إلى 3761.6 مليون دينار مقارنة مع 3468.8 مليون دينار خلال الفترة نفسها من العام 2025، بزيادة بلغت 292.8 مليون دينار، كما ارتفع إجمالي الإنفاق إلى 4097.3 مليون دينار مقابل 3798.3 مليون دينار بزيادة مقدارها 299 مليون دينار,
ورغم ذلك، لم تظهر الأرقام انفلاتاً مالياً، فالإيرادات غير الضريبية بلغت 852.2 مليون دينار، والمنح الخارجية ارتفعت إلى 95.9 مليون دينار مقارنة مع 21.6 مليون دينار خلال الفترة نفسها من العام الماضي، بزيادة بلغت 344.2 بالمائة، كما حققت الجمارك نمواً بنسبة 14.2 بالمائة لترتفع إيراداتها إلى 91.5 مليون دينار، فيما سجلت ضريبة بيع العقار نمواً بنسبة 5 بالمائة لتصل إلى 34.8 مليون دينار.
أما المؤشر الأكثر أهمية فهو العجز الأولي، فعلى الرغم من ارتفاع الإنفاق وكلف الفائدة والتحديات الإقليمية، تحسن العجز الأولي إلى 107.7 مليون دينار مقارنة مع 318.1 مليون دينار خلال الفترة نفسها من العام الماضي، أي بتحسن تجاوز 210 ملايين دينار، وهذا يعني أن الإدارة المالية استطاعت، إلى حد كبير، المحافظة على التوازن بين متطلبات الإنفاق الضروري واستدامة المالية العامة.
الأرقام هنا لا تقول إن التحديات انتهت، ولا إن الضغوط على الخزينة تراجعت، العكس تماماً؛ فالضغوط ما تزال كبيرة، وكلف الطاقة والحرب ما تزال حاضرة، لكنها تظهر أن هناك محاولة للسير في اتجاهين متوازيين في الوقت ذاته: حماية الخزينة من التدهور، وحماية المواطن من انتقال كامل كلفة الأزمة إليه.
الحديث هنا ليس دفاعاً عن حكومة أو تبريراً لأي قصور قد يكون موجوداً، فالأداء الحكومي يجب أن يبقى محل تقييم ومساءلة دائمة، لكن التقييم العادل يبدأ من الحقائق لا من الانطباعات، فالصحافة ليست منصة لترديد الإشاعات أو ملاحقة الشعبوية، لكن أداة لتقديم المعلومة الصحيحة للرأي العام وصانع القرار معاً.
قد يختلف الناس حول السياسات، وقد تتباين الآراء حول الأولويات، لكن الأرقام تبقى المرجع الأكثر موضوعية، وعندما نقرأ نتائج الأشهر الأربعة الأولى من العام، نجد أن الحكومة واجهت ظروفاً إقليمية معقدة، وتحملت كلفاً إضافية كبيرة لحماية السوق والمواطن، وحافظت في الوقت ذاته على مسار مالي متماسك نسبياً، وهذه ليست وجهة نظر، لكنْ أرقام منشورة يمكن للجميع قراءتها ومراجعتها والحكم عليها.







