الطراونة يكتب: لماذا يصبح كل تصريح معركة؟
مكرم أحمد الطراونة
في الدول الحديثة، تقاس كفاءة المؤسسات بقدرتها على اتخاذ القرار وشرحه، وإقناع الناس بأسبابه وغاياته. القرار الذي لا يجد طريقه للفهم العام يتحول بسهولة إلى مادة للجدل، والتصريح الذي يفتقر للوضوح قد يصبح أزمة قائمة، بغض النظر عن مضمونه الحقيقي. هذا الأمر، هو ما يجعل المشهد العام الأردني، غالبا، وكأنه سلسلة متواصلة من "معارك التصريحات" التي تطغى على جوهر القضايا وتستهلك اهتمام الرأي العام.
خلال الفترة الأخيرة، شهدت الساحة المحلية أكثر من حالة تحولت فيها التصريحات الرسمية لمحور جدل واسع تجاوز مضمونها الأصلي، إذ يأتي تصريح رسمي غير واضح أو بتفسيرات متأخرة أو غير مكتملة، فيثير تساؤلات عديدة، فتندلع موجة واسعة من التأويلات والاجتهادات التي تتسع بسرعة أكبر من قدرة المؤسسة الرسمية على ضبطها أو توضيحها، فينتقل النقاش من القضية نفسها للجدل حول ما قيل، وما يقصد منه.
في التصريحات المنسوبة لوزارة البيئة، ارتبط الجدل بالشعور بأن الخطاب اتجه نحو التعميم واستخدام لغة كانت قاسية في نظر كثيرين، وما زاد من حدة الأزمة هو عدم نجاح المعنيين بتقديم تفسير مقنع وسريع يضع التصريحات في سياقها الصحيح.
في ملف المياه، أثارت تصريحات الوزير حول وصول مديونية القطاع إلى 15 مليار دينار، حالة مماثلة من الجدل، فالأرقام عندما تطرح دون تقديم سياق واضح أو شرح كاف، تصبح مادة خصبة للتأويل والتشكيك، وتفقد الرسالة الأصلية جزءا كبيرا من أثرها.
هذا النوع من العلاقة غير الصحية، يتحمل وزره طرفان؛ الأول المسؤول والطريقة التي تصاغ بها بعض التصريحات، فعندما تطرح أرقام كبيرة أو أحكام عامة أو تعبيرات تحتمل أكثر من معنى، دون تقديم سياق كاف أو شرح وافر، فإنها تفتح الباب أمام التأويلات المختلفة.
في الطرف المقابل، لا يمكن إعفاء جزء من الرأي العام من المسؤولية، فوسائل التواصل خلقت بيئة تتسارع فيها الأحكام قبل المعلومات، وكثيرا ما تتشكل المواقف قبل اكتمال الصورة، وتتحول التعليقات والانطباعات الأولى إلى قناعات راسخة يصعب تعديلها لاحقا.
المسألة لا تتعلق بنقص المعلومات بقدر ما تتعلق بضعف إدارة الاتصال، فالمواطن يريد سماع الأرقام والقرارات، وفهم منطقها وتأثيرها على حياته اليومية، وأن تحترم المؤسسة حقه بالمعرفة بوصفه شريكا في المجال العام لا مجرد متلق للمعلومات. وعندما يغيب هذا الشعور، تتآكل الثقة تدريجيا.
ينبغي أن ندرك أن المنصات الرقمية غيرت طبيعة النقاش العام، فقد كانت المؤسسات، سابقا، تمتلك وقتا لشرح مواقفها وتقديم روايتها للأحداث، أما اليوم فإن دقائق قليلة قد تكون كافية لإنتاج آلاف التعليقات والتفسيرات والاتهامات. وعندما تتأخر المؤسسة بالتواصل أو تبدو مرتبكة في ردودها، فإنها تترك فراغا سرعان ما يملؤه الآخرون بالتحليلات والتخمينات والإشاعات.
لكن بعض المسؤولين ما يزالون ينظرون إلى التواصل الجماهيري كنشاط ثانوي يأتي بعد اتخاذ القرار، في حين أن نجاح السياسات العامة يتعدى جودتها الفنية نحو القدرة على شرحها وإقناع المجتمع بها. تجارب كثيرة أثبتت أن القرار الجيد قد يفشل بسبب سوء تقديمه، في حين يمكن للشرح الواضح والصريح أن يخفف كثيرا من الاعتراضات وسوء الفهم، والأردن لا يعاني من "فقر" في المعلومات بقدر ما يواجه تحديا يتعلق ببناء جسور أكثر فاعلية بين المؤسسات والمجتمع، تتعدى التصريحات، وتقوم على الوضوح والقدرة على الإجابة عن الأسئلة المشروعة للناس.
الجدل مظهر حيوي في أيّ مجتمع، والمشكلة تبدأ عندما تكون التصريحات "ضبابية"، تنتج أزمة ثقة ومعركة مفتوحة، يغيب فيها الحوار الحقيقي، وتتراجع القضايا الأساسية. ما لم تتحول عملية التواصل لممارسة مؤسسية راسخة تقوم على شرح مبكر واستجابة سريعة ولغة واضحة، فسيبقى كل تصريح مرشحا لأن يصبح معركة جديدة نسأل فيها دائما: لماذا لا تصل الرسالة كما ينبغي؟ ولماذا لا نفهمها كما يجب؟







