ملكاوي يكتب: "إرادة" صناعة الجهل والأمية
موفق ملكاوي
في بحثها الوافي المنشور مؤخرا على موقع مجلة «أوين»، تناقش فلورا تشامبي، أستاذة اللغة الفرنسية في جامعة برينستون الأميركية، فائدة القراءة، وما إذا كانت تؤثر في شخصياتنا، أو تجعلنا أكثر حساسية وتعاطفا، أو تحسن من قدرتنا على الحكم.
تنقل تشامبي من كتاب «السمسم والزنابق» لجون راسكن، المنشور في العام 1865، تنديده بالفقر الروحي العام الذي ساد بريطانيا الفيكتورية، حيث «أصيب كل هدف» بفكرة أن «كل شيء يجب أن يدر ربحا». مشكلة هذه العقلية، من وجهة نظر راسكن، تكمن في أنها «تجعل الكتب زائدة عن الحاجة»، في حين أن «المعرفة الحقيقية هي تدريب على التجرد، وعلى التأمل بسخاء في معنى التعبيرات المختارة». راسكن يرثي حال جيله، ويصفه بأنه جيل أمي، فرغم توسع التعليم، إلا أن القراءة تتم بشكل سطحي للحصول «على تقدير اجتماعي من فئة ضيقة من أقرانهم».
هذا الفهم كان سائدا قبل زهاء قرنين، ولكن، ما الذي يمكن أن يقوله راسكن عن الزمن الحالي، والذي تبدو فيه القراءة غائبة تماما، بينما يظهر التباهي الاجتماعي من خلال القدرة على «سرقة» الاقتباسات، وتزيين صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بها، وأحيانا من دون معرفة حقيقية لمعناها الأساسي!
التعليم اليوم، كذلك، في توسع هائل، لكنه لم يجلب فوائد كبيرة على مستوى التثقيف وتنمية المعرفة، وإنما انحصر في تحصيل الشهادة التي لم تعد سوى «زينة» اجتماعية هي الأخرى، بتعطيلها التحصيل العلمي الحقيقي. أما التربح المادي، فيحكم كل ما يحيط بنا، ليفرز العديد من الظواهر السخيفة والأمراض الاجتماعية التي نراها بوضوح على مواقع التواصل الاجتماعي، عبر سلوكيات لا يمكن لها أن تكون صحية، ولا أن تصدر عن أشخاص أسوياء. لهذا، لا يبدو غريبا أن يشتكي الروائي الإيطالي أمبرتو إيكو من أن وسائل التواصل الاجتماعي منحت «جحافل الحمقى حق الكلام»، فالضجيج الذي يحتكم إلى الانفعال أصبح أعلى من المعرفة.
وإذا كان راسكن رأى الأمية في زمن كانت فيه الكتب والمعرفة متاحتين لطبقات محدودة، وفرص التعليم أقل بكثير مما هي عليه اليوم، فإن أميتنا المعاصرة تبدو أكثر تعقيدا وإرباكا، فنحن لا نعاني نقصا في المعلومات أو وسائل الوصول للمعرفة، ولكن الرغبة الحقيقية في ممارستها تلاشت، وغاب عنا أثرها الإيجابي الكبير.
الإنسان المعاصر أصبح محاصرا بفيض هائل من المحتوى، لكنه في الوقت نفسه أقل قدرة على التركيز والتأمل، مع تعذر الجلوس بدون أن تقاطعه عشرات الإشعارات والتنبيهات والصور والمقاطع القصيرة التي تسرق انتباهه. ومع معرفتنا أن القراءة تدريب طويل على الإنصات والشك، وعلى تأجيل الأحكام السريعة، فإنها في زمن السرعة الفائقة أصبحت تبدو نشاطا غير مربح ومملا في نظر كثيرين. وما دام معيار الربح الفوري يحكم كل شيء، فإن الكتاب سيخسر دائما أمام المقطع القصير.
لقد تحولت الأمية في الوقت الراهن من عدم القدرة على القراءة والكتابة، إلى عجز عن الفهم والربط والتحليل، وعدم القدرة على ممارسة القراءة لفترة طويلة، والاكتفاء بما تقذفه الشاشات من معلومات مبتورة وغير دقيقة. مجتمعاتنا التي تتحدث عن المعرفة أكثر مما فعلت في أي وقت مضى، لا تمارسها إلا بأضيق الحدود، فالمؤتمرات والندوات والدورات التدريبية والبرامج التعليمية تتكاثر باستمرار، بينما تتراجع مؤشرات القراءة الجادة، ويضعف الاهتمام بالعلوم الإنسانية والفلسفة والأدب، وهي المجالات التي تعلّم الإنسان كيف يفكر.
الجهل عندما يدرك نفسه يمكن معالجته، أما حين يتنكر في هيئة معرفة فيصبح أكثر استعصاء على العلاج، فالمفارقة، أن الأمّي القديم كان يدرك أنه لا يعرف القراءة، أما الأمّي الجديد فلا يشعر بأيّ نقص، ويظن غالبا أنه يعرف كل شيء، إذ يكفيه محرك بحث، أو مقطع مصور مدته دقيقة، أو منشور متداول على منصة اجتماعية، لكي يشعر بأنه امتلك الحقيقة كاملة.
ربما لو عاد راسكن اليوم، لرأى أن عصرنا تتعايش فيه المعرفة والجهل في المكان نفسه. ففي الوقت الذي تتوافر فيه أدوات التعلم كما لم تتوافر من قبلُ، فإنّ الإنسان يبتعد عنها بإرادته، ويفضل أن يقضي ساعات طويلة في مطاردة محتوى لا يضيف إلى عقله أيّ معرفة.







