أبو زينة يكتب: 100 يوم من الحرب الإيرانية..!
علاء الدين أبو زينة
100 يوم مرت على بدء الحرب الإيرانية، لم يتوقف فيها الجدل حول تحديد الخاسر والمنتصر. وهو في الحقيقة جدل مبكر كثيرا، يحاول حسم نتيجة حدث جار ستكون له تداعيات سياسية وإستراتيجية واقتصادية بعيدة المدى. وربما يكون من الأنسب التعامل مع أسئلة أكثر تواضعا من سؤال المنتصر: من الذي حقق أهدافه المركزية حتى الآن ومن أخفق؟ من دفع ثمنا أكبر؟ ومن هو الأقدر على تحمّل الكُلف لوقت أطول؟
قبل نحو أسبوع، قال الرئيس ترامب في حوار مع لارا ترامب، التي تستضيف برنامجا حواريًا على قناة «فوكس نيوز»: «كان ما فعلناه في العراق غبيا جدا... ما كان ينبغي أن نكون هناك من الأساس». وقال أيضًا: «لم يكن ينبغي أن نكون في إيران أيضًا». وعندما يعرب عن هذا الندم الرجل الذي قاد حرب أميركا والكيان على إيران، فإنه يشخص بذلك المعضلة الأساسية التي تحيط بتقييم الحرب. إنه يعلن ليل نهار أن حربه دمّرت الجيش الإيراني، والحرس الثوري، والبحرية، والصواريخ، والدفاعات الجويّة والمقدرات النووية. وإذا كانت الأمور كذلك، فإن إيران ينبغي أن تكون جاهزة لاحتلالها «بفرقة موسيقا عسكرية» واعتقال من تبقى من قياداتها أو قتلهم، ومطاردة «الفلول». لماذا إذن أوقفت أميركا والكيان حربهما، وما الذي يستوجب الندم؟
كتب الباحث الأميركي المعروف، دانيال بايمان، في مجلة «فورين أفيرز»، أن تقييم الحرب معقد لأن أهداف أطرافها مختلفة. من جهتهما، سعت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني إلى إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية؛ وتعطيل البرنامج النووي؛ وتقليص النفوذ الإقليمي لطهران. وفي لحظة سابقة، تحدثتا عن تدمير إيران وإسقاط نظامها جملة وتفصيلا. وفي المقابل، راهنت إيران على الصمود؛ ورفع كلفة الحرب على خصومها؛ وإظهار حدود قوة أميركا والكيان. وإذا ما قرأنا المشهد من هذه الزاوية، يكون كل طرف قد حقق بعض غاياته وأخفق في تحقيق أخرى.
عسكريًا، يمكن تقدير أن خسائر إيران كانت أكبر بوضوح. فقد ضُربت منشآتها العسكرية والنووية بشدة، وقُتل عدد من كبار قادتها العسكريين والسياسيين، وتراجعت قدرات دفاعها الجوي. وحتى مع استثناء الخسائر في الجولة الأخيرة، ذهب المحلل العسكري الأميركي، جون سبنسر، في مقال نشرته صحيفة «جيروزاليم بوست» في حزيران (يونيو) 2025، إلى أن الولايات المتحدة والكيان حققتا في حرب الاثني عشر يوما «نجاحا ساحقا» على المستويات التكتيكية والعملياتية.
لكن ثمة عناصر غير الخسائر المادية تحسب في حسم الحروب. وقد أكد أستاذ العلاقات الدولية الأميركي المعروف، جون ميرشايمر في عديد المقابلات التي أجريت معه في العامين الأخيرين على فكرة مهمة: تتعلق المسألة بشكل أساسي بتعريف النصر نفسه. وعندما يتعلق الأمر بإيران، فإن الدولة لم تنهر، ولم يسقط نظامها، ولم يحسم مستقبل برنامجها النووي تماما. وعلى نطاق أوسع، لم تنجح واشنطن والمستعمرة الصهيونية في إعادة تشكيل المنطقة وفق رؤيتهما المعلنة. وبذلك، ربما خسرت إيران جزءا مهما من قوتها المادية، لكنها احتفظت بعناصر أساسية من لوازم قدرتها على الصمود. وفي المقابل، حققت أميركا والكيان مكاسب عسكرية مهمة، لكنهما فشلتا في إنجاز حسم سياسي نهائي لتثبيت مشروعهما المركزي في المنطقة.
عالميًا، أفرزت الحرب نتائج تجاوزت أطرافها المباشرين وحدود المنطقة. ويشير ميرشايمر إلى أن روسيا والصين بشكل خاص بوصفهما من أبرز المستفيدين المحتملين على المستوى الإستراتيجي. فقد عزز ارتفاع أسعار الطاقة الإيرادات الروسية، بينما أدى انشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط إلى تخفيف الضغط على الصين في خضم المنافسة العالمية المتصاعدة. وعلى الجانب السلبي، حذرت «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» من أن أي استمرار للاضطراب في إمدادات الطاقة أو الملاحة عبر مضيق هرمز يمكن أن يؤدي إلى تباطؤ النمو العالمي وارتفاع معدلات التضخم، مع آثار أشد على الدول النامية والفقيرة.
لكن الكثير من التقديرات تتصور أن العرب ربما يكونون الخاسر الأكثر وضوحا– حتى مع أن معظم دولهم لم تكن طرفا مباشرا في الحرب. مرة أخرى وجدت دول عربية نفسها في قلب صراع لم تبدأه، ولا هي تتحكم في مساره ولا في نهاياته. وكان الباحثان فريدريك ويري وتشارلز جونسون ممن أشاروا إلى الوضع العربي في نشرته «مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي» الشهر الماضي. وأشار الباحثان إلى أن الحرب مثلت «اختبار ضغط» حقيقيا بالنسبة لدول الخليج بعد تعرض مطاراتها ومنشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية لديها لهجمات مباشرة، وما نتج عن التهديدات للملاحة في مضيق هرمز من اضطرابات اقتصادية وتجارية واسعة النطاق.
ولاحظ الباحث الاقتصادي البريطاني المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، ديفيد باتر، في مقال نشره موقع «تشاثام هاوس» في آذار (مارس) أن الاقتصادات العربية تحملت أعباء إضافية نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والتأمين والشحن والنقل. وتضررت الدول المستوردة للطاقة من الضغوط التضخمية، بينما واجهت الدول النفطية نفسها مخاطر مرتبطة بالاستثمار وتعطل بعض الصادرات والمنشآت.
لكن المشكلة العربية ربما تكون أعمق من الاقتصاد. من جهة، تنظر بعض الحكومات العربية إلى النفوذ الإيراني باعتباره تهديدا مباشرا لأمنها. ومن جهة أخرى، لن يؤدي إضعاف إيران عسكريا واضطرابها داخليا بالضرورة إلى نظام إقليمي أكثر استقرارا، وربما يصنع فراغات أمنية وصراعات جديدة. ولذلك سعت معظم العواصم العربية إلى تجنب الانخراط الكامل في الصراع. وفي الوقت نفسه، بينت التطورات أن الاعتماد على حماية دولة خارجية قوية ليس خيارا مضمونا ويحتاج إلى مراجعة شاملة.
ربما تكون النتيجة الأهم للحرب حتى الآن هي أنها عمقت التحولات الجارية في النظام الدولي. فقد أظهرت مرة أخرى حدود القوة الأميركية، وأكدت أن التفوق العسكري الساحق لا يضمن دائما تحقيق الأهداف السياسية. كما كشفت قدرة قوى أصغر على الصمود رغم الضربات القاسية، وأعادت التذكير بأن الدول المتوسطة والصغيرة كثيرا ما تدفع أثمان الصراعات الكبرى حتى عندما لا تكون طرفا مباشرا فيها.







