اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الدرعاوي يكتب: المتأخرات.. الأرقام تتحدث

{title}
أخبار الأردن -

 

سلامة الدرعاوي


في الأردن، ليس من الصعب انتقاد أي حكومة، فالنقد أسرع انتشارا من المعلومة الدقيقة، والخبر السلبي يجد طريقه إلى التداول بسهولة، بينما تحتاج الحقائق إلى وقت وجهد حتى تصل إلى الرأي العام، لكن وظيفة الصحافة ليست ملاحقة الضجيج، ولا إعادة تدوير ما يقال على منصات التواصل الاجتماعي، بل تقديم الوقائع كما هي، وترك الحكم للناس.
 

ومن بين الملفات التي رافقت الحكومات المتعاقبة لسنوات طويلة، يبرز ملف المتأخرات المالية باعتباره واحدا من أكثر الملفات تعقيدا وحساسية، فهذه القضية لم تنشأ اليوم، ولم تكن وليدة حكومة بعينها، إنما تراكمت عبر سنوات طويلة نتيجة تأجيل القرارات الصعبة وترحيل الالتزامات من عام إلى آخر، وكان الأسهل دائما هو ترك المشكلة للحكومة التالية، بدلا من مواجهتها ومعالجتها، لكن ما تكشفه الأرقام اليوم يستحق التوقف عنده.
عند نهاية عام 2025، بلغ إجمالي المتأخرات على الحكومة المركزية نحو 1.400 مليار دينار، وهو رقم ضخم بكل المقاييس، ويعكس حجم التراكمات التي ورثتها الحكومة، ومع ذلك، لم تتجه إلى ترحيل الملف أو تأجيله، بل بدأت التعامل معه بصورة مباشرة ومنظمة.
وتشير البيانات إلى أن إجمالي ما تم دفعه بنهاية عام 2025 نحو 790 مليون دينار، فيما تم تسديد 375 مليون دينار خلال عام 2026، ليصبح إجمالي المدفوع 1.165 مليار دينار.
الأرقام هنا أكثر بلاغة من أي تصريح سياسي. فنحن لا نتحدث عن وعود أو خطط أو نوايا، بل عن مبالغ دفعت فعليا لمعالجة التزامات قائمة منذ سنوات.
في قطاع الصحة وحده، وهو من أكثر القطاعات ارتباطا بحياة المواطنين، بلغ حجم المتأخرات المسددة خلال عامي 2025 و2026 نحو 448.6 مليون دينار، وتم دفع 209 ملايين دينار لصالح الأدوية في وزارة الصحة، و203 ملايين دينار لمركز الحسين للسرطان، إضافة إلى تسويات تخص مستشفى الجامعة الأردنية ومستشفى الملك المؤسس بقيمة 36.6 مليون دينار، وهذه الأرقام لا تعني مجرد قيود مالية أغلقت، بل تعني دعما مباشرا لاستمرارية الخدمات الصحية وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها.
وفي قطاع الطاقة، تم تسديد ما مجموعه 399.6 مليون دينار، منها 227.6 مليون دينار لملف الكهرباء و172 مليون دينار لدعم أسطوانة الغاز، أما قطاع المياه، فقد شهد معالجة متأخرات بقيمة 224.6 مليون دينار مرتبطة بمديونية الكهرباء، وهو ملف ظل لسنوات يشكل عبئا ماليا على المؤسسات المعنية.
ولم تقتصر المعالجة على هذه القطاعات، إذ جرى كذلك دفع 65 مليون دينار مرتبطة بقطاع الإدارة المحلية، وفي قطاع الصناعة 15 مليون دينار لدعم الصادرات، إضافة إلى معالجة جزء من ملف الاستملاكات بقيمة 12 مليون دينار.
ما يلفت الانتباه في هذه الأرقام أن الحكومة لم تبحث عن حلول تجميلية أو محاسبية لإخفاء المشكلة، بل اتجهت إلى تخفيضها فعليا عبر السداد، فالمتأخرات ليست مجرد أرقام في الجداول المالية، وإنما التزامات تؤثر على المستشفيات والبلديات وشركات الكهرباء والمياه والقطاع الخاص، وكل دينار يسدد من هذه المتأخرات ينعكس على السيولة والاستثمار وقدرة المؤسسات على الاستمرار.
الحديث عن المتأخرات كان دائما مادة سهلة للانتقاد، لكن قراءة الأرقام تضع النقاش في سياقه الصحيح، فالملف الذي تراكم عبر سنوات طويلة لم يعد يرحل كما كان يحدث سابقا، بل تتم معالجته تدريجيا وبهدوء بعيدا عن الضجيج، وربما يختلف الناس في تقييم السياسات الاقتصادية أو أولويات الإنفاق، لكن الأرقام تبقى حقيقة لا يمكن تجاهلها، إذ إن هناك متأخرات ورثتها الحكومة، وهناك مئات الملايين التي تم دفعها بالفعل لمعالجة هذا الإرث.
وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون النقاش حول ما إذا كانت المشكلة موجودة أم لا، فالجميع يعرف أنها موجودة منذ سنوات، والسؤال الحقيقي هو هل يتم ترحيلها أم مواجهتها؟ وحتى الآن، تبدو الأرقام وكأنها تقدم الإجابة بنفسها.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية