اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

العايدي يكتب: الثقافة الوطنية (3): عندما تصبح النخب جزءا من المشكلة

{title}
أخبار الأردن -

 

د.محمد صبحي العايدي


إذا كانت الثقافة كما بيّنا في مقالات سابقة هي السلوك الواعي القائم على المعرفة، فإن الثقافة الوطنية هي تحويل هذا الوعي إلى ممارسة يومية تعكس الانتماء الحقيقي للوطن، فالانتماء ليس مجرد حالة وجدانية، أو شعارات ترفع في المناسبات، ولكنه مسؤولية تتجلى في احترام القانون، وصيانة المال العام، وتقديم المصلحة العامة على الخاصة، والمساهمة في بناء الدولة والمجتمع، فالحضارة لا تبنى بالكلام المنمق بل بالسلوك الواعي، والعمل المنظم، والقدرة على تحويل القيم والأفكار إلى منظومة سلوكية تجعل الإنسان شريكا في بناء وطنه، لا مجرد متفرج على مسيرته أو متصيد للأخطاء.
 

وفي سياق بناء ثقافة وطنية متماسكة لا بد من التمييز بين مساحة الاتفاق والاختلاف المشروع، فليس المطلوب من أفراد المجتمع أن يكونوا متطابقين فكريا أو دينيا أو سياسيا، ولا أن يتحول الجميع إلى نسخة واحدة من الآراء والتوجيهات، ولكن المطلوب أن يكون هناك إطار جامع، وأرضية مشتركة يقف عليها الجميع.
ولذا فمن الضروري أن نتفق أولا على الثوابت التي لا يجوز أن تكون موضع نزاع أو اختلاف أو مساومة، وعلى رأسها الالتزام بالدولة الوطنية، وبشرعية وجودها التاريخي، وحدودها الجغرافية، وسيادة قانونها، واحترام مؤسساتها الوطنية، والحفاظ على أمنها واستقرارها، ورفض كل أشكال الكراهية والتحريض والتفكيك الاجتماعي، كما أن احترام كرامة الإنسان وحقه في الاختلاف يعد جزءا أصيلا من هذا العقد الثقافي الجامع.
وبعد تثبيت هذه الثوابت، فإن مساحة الاختلاف تصبح حقا مشروعا، بل ضرورة للتقدم والبناء، فنختلف في البرامج والسياسات والرؤى والاجتهادات، ونختلف في تقييم الأداء والأولويات، لكن دون أن يتحول هذا الاختلاف إلى خصومة مع الوطن نفسه، أو تشكيك في شرعية وجوده وحدوده، أو تهديد لوحدته، فقوة الأوطان لا تكمن في وحدة الآراء وعدم الاختلاف بين الأبناء، بل في وحدة الانتماء إلى ترابه ونظامه وحدوده ووجوده، ولذا أول شرط في الثقافة الوطنية: أن نتفق على الوطن قبل أن نختلف حول تفاصيل إدارته.
غير أن المعادلة التي قد تتعرض أحيانا للاهتزاز بسبب سلوك بعض النخب التي يفترض أن تكون حارسة للوعي الجمعي، وقائدة لمسيرة البناء، فالنخب السياسية والفكرية والدينية، ليست امتيازا اجتماعيا، ولا مكانة فوقية لأحد، بل مسؤولية أخلاقية ووطنية، وهي مطالبة بأن تكون الجسر الذي يربط بين الفكرة والتطبيق، والمعرفة والواقع.
لكن الأزمة تبدأ عندما تتحول بعض النخب السياسية والفكرية والدينية إلى جزء من المشكلة، بدل أن تكون جزءا من الحل، حين تفقد هذه النخب وظيفتها التاريخية بوصفها قوة توجيه وبناء، وتتحول إلى حالة خطابية أو إسقاطية، عندها يصبح تأثيرها في تعطيل عجلة البناء أكبر من تأثيرها في تحقيقه، فالنخب التي يفترض أن تكون وقودا لحركة المجتمع ونهضته، قد تتحول أحيانا إلى نار تلتهم طاقاته، وتؤجج انقساماته، عندما تفقد بوصلتها الأخلاقية ورسالتها الوطنية.
وتحتل النخب الدينية موقعا بالغ الأهمية في بناء معادلة الثقافة الوطنية، لأن دورها لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يمتد إلى تشكيل الوعي العام، وبناء المنظومة القيمية للمجتمع، من هنا فإن الدور الحقيقي للنخب الدينية لا يقتصر على الوعظ أو بيان "الحلال والحرام"، وإنما يتجاوز ذلك إلى ترسيخ ثقافة المسؤولية، والإتقان، والعدل، والانتماء، والمبادرة والإنتاج، فالمجتمعات لا تحتاج فقط إلى خطاب يشرح النصوص، وينقل الأقوال والمذاهب، بل إلى القدرة على تحويل المعرفة إلى سلوك، والسلوك إلى أثر إيجابي.
والمشكلة تكمن في بعض أنماط الخطاب الديني الذي يغفل البعد الوطني في توجيهاته، ولا يراعي متطلبات الواقع، فيقدم الدين بمعزل عن السياق الاجتماعي والوطني، ويختزل في صراعات الهوية والخلافات الجزئية، مما يؤدي إلى صراع بين الواقع وتفسير الدين بما لا يراعي الواقع، ومتطلبات العمران والبناء.
ختاما فإن الثقافة الوطنية مشروع طويل يبدأ من الإنسان، وينعكس على الدولة والمجتمع، وهي الإطار الذي يحفظ الوطن، ويصون وحدته، ويعزز قدرته على التقدم، فلنتفق على الوطن أولا، ثم لنختلف على ما نشاء بعد ذلك، فالاختلاف داخل الوطن مصدر قوة وحيوية، وأما الاختلاف خارج أطره فهو بداية الانقسام، وعائق أمام كل مشروع حضاري.
 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية