اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

خريسات يكتب: النظافة العامة وسيكولوجية التوقيت

{title}
أخبار الأردن -

 

رامي خريسات


المشكلة الأساسية في رسالة وزارة البيئة كانت التوقيت . ففي المناسبات الوطنية أو الجماعية في أي مكان في العالم، مثل احتفالات كأس العالم أو الأعياد الوطنية غير المتكررة دورياً، والتي تكون مليئة بالشحن العاطفي والحماس والفخر الوطني، تكون الأولوية  -حتى في أفضل النماذج الدولية - هي للاحتواء والتنظيف وليس للمحاسبة الفورية.
 

ما حدث يشبه محاولة محاولة إعطاء درس في الانضباط وسط عرس صاخب، مما خلق مقاومة نفسية لمن كان مزهواً بكرامته الوطنية ورافضا لأي خطاب فوقي أو مهين، مما يجعله أكثر حساسية تجاه النصيحة البيئية، بل يدفع  المخالفين إلى التمسك بسلوكهم بشكل أكبر، خاصة بين الفئات التي تفتقد للثقة في المؤسسات.
لقد بحثت لأجد أن التوبيخ الجماعي للمخالفين موجود في بعض  الممارسات، وتحديداً في البيئات القسرية وهي التي تستخدم أدوات الإكراه، والرقابة اللصيقة، والعقوبات الغليظة جداً كمنهج أساسي وحيد لفرض النظام والنظافة العامة، بدلاً من الاعتماد على التوعية التدريجية أو الحوافز الاقتصادية.
حتى سنغافورة الرائدة أدركت هذا التناقض مبكراً، فانتقلت من التقريع اللفظي وهي الممارسة القديمة إلى افضل ممارسة وهي المأسسة. لذلك ما يناسب حالتنا الأردنية هو خطاب أبوي حازم واضح موجه للمخالفين لا يحتمل التأويل- لا يضطر بعده الوزير للتوضيح- مع  ضرورة الاشادة بالملتزمين لتجنب خلق عداء تجاه الرسالة الرسمية.
بعدها يتم الانتقال إلى مأسسة العقوبات الصارمة، حيث العالم المتحضر شرقية وغربية لم تتجذر لديه أخلاقيات الالتزام العام بالقوانين والأنظمة إلا بالحزم المؤسسي وبالعقوبات الرادعة للمخالفين. ففي سنغافورة مرة أخرى  لم تنجح حملات النظافة إلا عندما اقترنت بالعقوبات المادية وبأوامر تنظيف لمناطق ينفذها المخالفون مع إلباسهم زيا فسفوريا يكشف مخالفتهم والعقوبة المفروضة عليهم.
 أردنياً تُنفق البلديات ملايين الدنانير سنوياً على عمليات الجمع اليدوي المرهقة والمكلفة التي تحتاج لجيوش من عمال النظافة. فليكن آخر سبت من كل شهر يوماً تطوعياً، ينطلق فية المواطنون في أعمال تنظيف مجتمعية حيث الحكومة لا تستطيع تحمل العبْء وحدها. ولتصبح  النظافة طقساً وطنياً ومصدر فخر مجتمعي يتم فيه تبني خطاب وطني يمجد النظافة كقيمة واعتزاز أردني أصيل، ويجب أن نشيد علناً بالملتزمين من مدارس، وأحياء، وشركات، ومواطنين. 
الحلول الدائمة تكمن في معادلة لا تقوم على التقريع  والمخالفات والكاميرات وحدها، بل تجمع بين التكنولوجيا الذكية، والهندسة الجنائية للبيئة، وسيكولوجية التوقيت، والحوافز الاقتصادية، والاقتصاد الدائري، وتوفير البنية التحتية، وتعزيز المسؤولية المجتمعية، والتطبيق الصارم للقوانين.
باختصار، نحتاج دمجاً بين الحزم التقني والتعزيز القيمي مع مراعاة الأثر النفسي للتوقيت.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية